الغول الأميركي

الخميس 2016/04/21

تاريخيا لم “يتعثمن” العراق ولم “يتبرطن” في الاحتلالين العثماني والبريطاني في القرن الماضي، مثلما لا يمكن أن “يتأمرك” في الاحتلال الأميركي الأخير بالرغم من وجود أذرع أميركية في الحكومة والبرلمان واضحة المعالم، ولم تترك كل الاحتلالات شيئا يذكر من ثقافاتها وأنساقها الفكرية على مدار التاريخ كما نقرأ سابقا ونعيش الآن، ولا نعتقد أن هذا يحدث لا لغة ولا ثقافة ولا حتى شكلا مظهريا كما تركه الاستعمار في الكثير من الدول العربية وإلى هذا اليوم من ثقافات لغوية ومسميات كثيرة معروفة.

منذ أن كنّا صغارا رسخت جملة “أميركا عدوة الشعوب” في قراءاتنا المدرسية حتى هذا اليوم، وكان المعلم القديم يؤكد هذه الجملة بشكل لم نكن نفهمه حتى زرعها وأنبتها في عقولنا الصغيرة، وهي من أكثر الجُمل العميقة التي ترسبّت في نفوسنا وثقافتنا اليومية يوم كنّا نلوك الدروس حتى من دون هضم عميق، غير أن هذا الدرس الأول في تلك الجملة البليغة بقي عالقا حتى من دون أن نعرف ما شكل ذلك “العداء” ولا لونه ولا رائحته يوم كانت الحياة بسيطة غير معقدة وكانت الحروب العالمية قد انتهت وبدأت عصور من التنوير متعددة المناشئ تكافح آفات الحروب وتداعياتها النفسية والكارثية.

كان المنهج “القديم” أكثر وضوحا وهو يقرأ الحال ومعطياتها التالية بروح أكثر من ذكية، مستقرئا شيئا مهمّا من منهاج الحياة الطافح بكل شيء وأولها السياسة التي تغذي الحروب وتصنعها وتقتل روح الحياة في نهاية الأمر مع كل قرن أو أقل من هذا بكثير، فتعود دورة الحياة من الصفر إلى الصفر السالب وهكذا.

ومنذ مذابح الهنود الحمر في القرن الخامس عشر وحتى مذابح داعش في القرن الحادي والعشرين تكبر صورة الغول الأميركي علنا وسرا بين هذه القرون التعيسة بأشكال وصور ووسائط متعددة ومختلفة وبأزمان غير متشابهة في أنساقها السياسية وبُناها الاجتماعية ورؤاها الثقافية، لكنها في الأحوال كلها صورة الأميركي البشع الذي أشاعه وليم لدرر ويوجين بيرديك والذي قرأناه مبكرا في الأدبيات الخمسينية والستينية المترجمة، مثلما شاهدناه في أفلام رجل الكاوبوي المتطاول الذي لا يخشى الأعداء الوهميين بلباسه الخشن وقبعته المدورة وحصانه الأحمر ومسدسه الذي لا تنفد منه الطلقات كما لو أنه رشاشة إلكترونية!

يمكن ملاحظة تلك الثقافة المشبوهة بصورة يسيرة عبر النماذج الأدبية الروائية والشعرية والمسرحية العالمية والسينمائية الكثيرة التي واكبت نشوء هذا الغول النووي حتى اليوم في حاضنة واحدة تتشابه كثيرا من حيث المعطى النهائي، لكنها تختلف زمنيا في أداءاتها المتراكمة وفق ما تتوفر لها من تقنيات كتابية وفضائية وصورية ومشهدية معتنى بها إلى حد الإبهار. لذلك فالصورة الأميركية القارّة هي الصورة القديمة منذ عهد الهنود الحمر الذين عانوا من ويلات الاستعمار الأميركي وحتى التخفي بسراويل داعش لكن بحذاقة أكثر وترتيب متداخل مع وقائع ربيع السراب العربي الأسود الذي أنتج مثل هذه الجراثيم الدينية أو المتشدقة باسم الدين والعاملة به بوضوح.

المعلم القديم هو المعلم النبيّ الذي استشرف الآفاق السياسية والاجتماعية وقرأ ثقافة المستقبل بصورة ناضجة ليرى تلاميذ الماضي هوليوود الحقيقية مجسدة الآن على الأرض في شكل جملة لا تتغير هي “أميركا عدوة الشعوب”.

لذلك لا “يتأمرك” العراقي مثلما لم يتبرطن ويتعثمن، وهذه غيوم ثقيلة راكدة وثقافة سوداء ستمر كما مر غيرها من غيوم، ولكنها اليوم بإخراج أكثر جاذبية حينما تسيّد فيها الأمي الجاهل الطائفي القاتل. وهذا ما يريده الغول الأميركي بطبيعة الحال.

كاتب من العراق

14