الغول والعنقاء والخل الوفي

الأربعاء 2017/05/31

صداقات كثيرة تبتدئ وتنمو وتترعرع وتزدهر ولكنها فجأة تنتهي.. وشخصيا مازلت لا أدري كيف ولماذا!.. فمازلت أنظر إلى الإنسان كقيمة عليا لا جدال فيها ومازلت أقول وأكرر مرارا إننا لا نختار أهلنا وذوينا وأقاربنا وجيراننا لكننا نختار الصديق..

فكيف بعد لنا إن اخترناه وفضلناه وميزناه عن سواه أن نتخلى عنه وأن نستبدله بآخر بعد أن تعبنا على بناء ما بيننا وبعد أن ملأنا معا سنوات من الذكريات الحلوة والمرة معا؟

الصداقة.. يبقى لهذا المفهوم عندي جذره العميق الذي يعتمد الصدق وليس سواه!.. فصديقك من صدّقَكَ وأصْدقكَ وصادقَ على ما تقول وتفعل.. وأصل الصداقة عاطفة وكيمياء تجمع المتشابهين والأضداد.. تجمع أبعد الناس عن بعضهم لتقربهم وتربطهم بأوشاج المحبة والحنو والمساندة.. تشاركهم الأفراح والأتراح أو الألم والتعافي..

فكيف يمكن للعشرة والمحبة أن تنتهي بسوء فهم عابر؟.. أو بتجاوز غير مقصود أو خطأ يرتكبه صديق ويعتذر عنه مثلا؟.. كيف لفيض المحبة أن ينتهي فجأة ولا يعود له من وجود؟.. كيف لإدمان العلاقة أن تقلع عن تعودها لتُستبدل بسواها وسواها؟.. والله إنني لست أفهم ولن أفهم..!

وعلى الرغم من أنني لست من الصموتين الساكنين فأنا أعشق التغيير في كل شيء.. وأزعم أنني قوية صلبة إزاء المحن.. إلا أنني كنت ومنذ صغري في أشد حالات ضعفي إزاء العلاقات الإنسانية.. وانكسار علاقة مهما كانت عابرة عادية يربكني.. وأجد نفسي في غاية الضعف أمام تغيير يتطلبه غياب صديق.. فكيف بصداقة كنت أعدها حقيقية؟.. وكيف بإنسان مقرب أو حبيب؟.. مازلت حتى اليوم أسمع عن علاقات امتدت سنوات طالت من نضال مشترك وماض جميل وحزين.. علاقات موغلة في القدم تنتهي بإشكال طفيف أو سوء ظن أو كلام ونميمة وفتن.. أقول إنني مازلت أسمع عنها ولا أصدق.. ومازلت أستوعب الكثير من المشكلات والأزمات ولا أستوعب خيانة الصديق أو نهاية صداقة عميقة بكارثة.. فهل كان كل ذلك الماضي المشترك العميق كذبا وزورا؟.. وهل.. إذ يمكن أن يستبدل الإنسان هندامه وسكنه فإنه يمكن أن يستبدل أصدقاءه ومحبيه؟.. والله إنني لست أفهم!

فما قيمة كل مشاعرنا التي نبذلها تعاطفا ومحبة؟.. ما قيمة الوقت والجهد الذي سفحناه؟.. ما قيمة قلقنا على أصدقائنا وفرحنا لفرحهم وحزننا لحزنهم؟.. ما قيمة كل ذلك إذ نجد أنه سيختفي ذات يوم لسبب نجهله ونكاد حتى ألا نعرف ما فعلنا وما الذي ارتكبناه..

وما قيمة الصداقة الحقيقية إذا لم يحتمل الأصدقاء بعضهم بعضا ويقدرون ظروف حياتهم ومشكلاتهم؟..

قالت لي إحدى صديقاتي أمس وهي تشتكي من صديقة أخرى “لن أثق بأحد بعد الآن.. وقد صدق من قال: علمت أن المستحيل ثلاثة.. الغول والعنقاء والخل الوفي”.. فوجدت نفسي أعترض وبأعلى نبض في قلبي وكأن كل مسام جسدي كانت تصرخ: إياك يا صديقتي.. إياك..

إياك أن تضعي جميع الأصدقاء في كفة واحدة أو أن تفقدي الثقة بعطائك وعطاء الآخرين.. أو أن تحيلي تصرف صديقة إلى إلغاء صداقات جديدة.. أو أن تجعلي فهما خاطئا لمعنى كلمة صداقة أن (يقطع سبيل المعروف) مع صداقات أجمل وأجمل.. فقد يكون الوفاء نادرا لكنه ليس بمستحيل..

صباحكم خلان أوفياء..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

21