الغياب عن "البوكر".. هل هو دليل على تراجع الخيال الأدبي عند المصريين

كتاب ومسؤولون ثقافيون مصريون يجادلون في قضية الغياب المصري عن جائزة البوكر هذا العام ويطرحون تساؤلات حول واقع الأدب والأدباء ومستقبل القوى الناعمة في البلاد.
الاثنين 2018/03/26
روايات القائمة القصيرة للعام 2018

في منتصف يناير الماضي، أعلنت اللجنة المنظمة لجائزة البوكر في دورتها الحادية عشرة، القائمة الطويلة المرشحة لنيل الجائزة العالمية للرواية العربية، ضمت 16 رواية اختيرت من بين 124. وضمت القائمة الطويلة روايتين مصريتين هما “حصن التراب” للكاتب أحمد عبداللطيف، و”شغف” للكاتبة رشا عدلي.

وفي الـ21 من فبراير الماضي، أعلن عن القائمة القصيرة وضمت ست روايات من العراق والسودان وفلسطين والسعودية والأردن وسوريا، مع استبعاد الروايتين المصريتين. وجاء الاستبعاد هذا العام ليعيد مناقشات حول مستقبل القوى الناعمة في مصر. ويتوقع الإعلان عن الفائز بالجائزة الأولى نهاية أبريل المقبل.

على مدار السنوات الماضية منذ انطلاق الجائزة للمرة الأولى في 2008، ضمت القوائم القصيرة اسم مصر 9 مرات من خلال 14 رواية، من دون أن تخلو تلك القائمة من رواية مصرية باستثناء دورتي 2014 و2018.

 

لم يتوقف الجدل الذي أثاره الغياب المصري عن جائزة البوكر هذا العام. وقد أثار استبعاد روايتين مصريتين عن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، للمرة الثانية في تاريخ الجائزة، تساؤلات حول واقع الأدب والأدباء ومستقبل القوى الناعمة في مصر، وقد تضاربت الآراء والانطباعات، ففي حين اعتبر البعض أن الرواية المصرية ظلمت، رأى آخرون أن الأمر طبيعي، ففي العالم العربي أيضا روائيون، ولا يعقل أن تحظى مصر بالجائزة كل عام.

ولم تفز من مصر بالجائزة طيلة هذه الفترة سوى روايتين في الدورتين الأولى والثانية، وهما “واحة الغروب” لبهاء طاهر في 2008، و”عزازيل” ليوسف زيدان 2009.

والجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر” هي أكبر جائزة سنوية تختص بمجال الإبداع الروائي باللغة العربية، وترعاها مؤسسة جائزة البوكر في لندن، بينما تقوم دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي بدعمها ماليا.

ويحصل كل مرشح يصل إلى القائمة القصيرة على 10 آلاف دولار، فيما سيتم الإعلان عن اسم الفائز في الـ24 من أبريل القادم بالإمارات، عشية افتتاح معرض أبوظبي الدولي للكتاب، ليحصل على 50 ألف دولار إضافية.

ذائقة أدبية

تقول الكاتبة المصرية، رشا عدلي، صاحبة رواية “شغف” والتي نافست بالقائمة الطويلة لجائزة البوكر “ربما جاءت القائمة القصيرة لهذا العام بعيدة عن توقعات القراء، وهذا شيء جائز تماما واعتدنا عليه”.

وتضيف عدلي، في تصريحات صحافية “لا يوجد مقياس مدرج للروايات هل هي أفضل أم لا؟ العملية تخضع لذائقة أدبية فردية تختلف من عضو لجنة إلى آخر ومن لجنة إلى أخرى”.

وترى الكاتبة أنه، بناء على ذلك، نجد ضمن قوائم البوكر روايات يعتقد البعض أنها دون المستوى ولا ترتقي للترشح.

قوى بلا إبداع

وأسند مثقفون مصريون استبعاد الروايتين المصريتين من جائزة البوكر، إلى تراجع أدبي وخطوة إلى الخلف للقوة الناعمة المصرية. وهو ما نفاه مثقفون آخرون، وسط تحرك مصري في مارس الجاري لإلقاء الضوء على القوة
الناعمة بمصر في حملة إعلامية لتعريف العالم بها.

رشا عدلي: الذائقة فردية، ولا مقياس مدرجا للاختيار، وفي القائمة القصيرة روايات دون المستوى
رشا عدلي: الذائقة فردية، ولا مقياس مدرجا للاختيار، وفي القائمة القصيرة روايات دون المستوى

من جانبه، رأى الكاتب المصري جمال الجمل، أن مصر تزخر بطاقات إبداعية كبيرة، لكنها أحيانا لا تحظى بالرعاية والتبني من قبل المؤسسات المعنية.

ويضيف أنه “على المستوى الروائي حدث نوع من الانجراف نحو الرواية المترجمة، والاتجاه نحو الكتابة التي تحقق جوائز وتدر دخلا ماديا، فأحيانا عندما يريد المبدع أن يحيا؛ يكتب على مستوى الجوائز”.

ورأى أن “هناك إهدارا للإبداع، وأن هناك إبداعا مصريا لكنه مدفون تحت هذا السطح، والمبدعون يأكلهم الواقع وتُهدر طاقتهم فيه، وسط مظاهر كثيرة لا تركز على دعم العقل وتبحث عن المال”.

بدوره يعبر الكاتب المصري حمدي نوار عن أسفه لخروج الروايتين من القائمة القصيرة لجائزة البوكر، ويعتقد أن “هذا يدل على تراجع الخيال الأدبي عند المصريين”.

من جانبه، يرى جابر عصفور، وزير الثقافة المصري الأسبق، في تصريحات صحافية، أن الغياب “لا يقلل من شأن مصر”، طالما ارتضينا حكم المحكمين. ويشير إلى أن التمسك بأن تفوز مصر كل عام هو نوع من “العنصرية التي لا تليق بها”.

وأعرب شاكر عبدالحميد، أستاذ علم نفس الإبداع، ووزير الثقافة الأسبق، عن دهشته من الغياب المصرى عن القائمة القصيرة. ويرى، في تصريح صحافي، أن رواية أحمد عبداللطيف “حصن التراب” تعد عملا متميزا يستحق الوصول إلى القائمة القصيرة، كما أن رواية رشا العدلى “شغف” هي عمل جيد أيضا.

ويعتبر أن الجوائز بشكل عام “لا تعد هي المقياس القاطع لقيمة الأعمال الأدبية”، غير أن غياب الأسماء المصرية عن القائمة القصيرة للجائزة، “مفاجأة غير سارة”.

صلاح فضل، الناقد الأدبي، يرى أن جنسية المبدع ليست المشكلة، فلا داعي للحساسية المفرطة وتتبع جنسية المرشحين للفوز، وهذا لا يليق بالمثقفين المصريين. ويضيف أن لا ضير في أن تتصدر بعض الدول العربية الأخرى، وأن يحتل المبدعون من الشباب القائمة القصيرة.

إحياء للقوى الناعمة

في الـ15 من مارس الجاري، أطلقت وزارة الخارجية المصرية، في احتفالها بيوم الدبلوماسية، حملة إعلامية بعنوان “كلنا (جميعنا) سفراء لمصر”.

أحمد عبد اللطيف: كل شيء قابل للهدم والنقد، وكل ما يبدو حقيقة الآن قد نكتشف مع الوقت أنه أكذوبة
أحمد عبد اللطيف: كل شيء قابل للهدم والنقد، وكل ما يبدو حقيقة الآن قد نكتشف مع الوقت أنه أكذوبة

وسعت الحملة، على مدار ثلاثة أيام، للترويج للقوة الناعمة المصرية عبر استضافة العديد من الفاعليات الثقافية والفنية والمعارض الأثرية، وفق بيانات رسمية.

وقالت الخارجية، في بيان لها، إن “الحملة تهدف إلى إبراز ما تحظى به مصر من ثراء وتعدد في روافد الإبداع الإنساني، ما يجعلها بحق مركز الإشعاع الثقافي والفني والفكري في المنطقة العربية”.

وشملت الحملة تسهيل الجولات والزيارات التي تقوم بها الوفود الثقافية والفنية المصرية لمختلف الدول، وكذلك الاحتفاء بأي من الشخصيات المصرية البارزة في شتى المجالات.

14