"الغيبوبة" رحلة عبر اللاوعي لمشاهدة فناء العالم

فيلم "الغيبوبة" ينتمي إلى سينما الخيال العلمي حيث يغوص في الذاكرة واللاوعي لينقل بطله إلى مكان عجيب وهو شكل العالم ما بعد الخراب.
الاثنين 2020/04/27
دهشة أمام ما اجتاح العالم من خراب

خيال عميق مرتبط باللاوعي، يجتمعان في تكامل عجيب يبعث على الدهشة، إذ ليس كافيا الخروج على ما هو واقعي وإدماجه بما هو خيالي بل الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك إلى تلك المساحات المخبّأة في اللاوعي.

يرسم الفيلم الروسي “الغيبوبة” للمخرج نيكيتا أرغونوف (مواليد 1978) فضاء حسيا يدمج الواقعي بالخيالي، فيلم يُعيدنا إلى جدارة السينما الروسية التي لا نكاد نشاهد إنتاجاتها السنوية إلاّ نادرا ولا نكاد نشاهد حضورها في المهرجانات وولائم تسليم الجوائز إلاّ لماما.

والحاصل أن تلك الخميرة الراسخة في روح الإبداع السينمائي لهذا البلد لا تملك إلاّ أن تتجدّد، وعلى الرغم من التصاقها الطويل بالواقع إلاّ أننا أمام استثناء في هذا الفيلم الذي ينتمي إلى سينما الخيال العلمي.

وتدور قصة الفيلم حول التحوّلات التي سوف تطرأ على المهندس المعماري الموهوب فيكتور (الممثل رينال موخاميتوف) بعد تعرّضه لحادث سير ودخوله في غيبوبة، ما تلبث أن تنقله إلى مكان عجيب وهو شكل العالم ما بعد الخراب.

يتنقّل فيكتور تائها من بلد إلى بلد، من بلاده إلى الصين إلى بريطانيا إلى إيطاليا إلى غيرها وهو يُشاهد باندهاش عظيم الخراب الذي ضرب تلك الحواضر حتى تآكلت ملامحها واسودّت أجواؤها.

وسيستعين المخرج وهو نفسه محترف بالمؤثرات والجرافيك بمهارة إظهار التشوّه الذي لحق بالمدن حتى توارى عنها سكانها، ولم تبق إلاّ جماعات تقتل بعضها بعضا.

فضاء حسيا يدمج الواقعي بالخيالي
فضاء حسيا يدمج الواقعي بالخيالي

هذه المشاهد للناجين سواء أكانوا مُسالمين أم أشرارا غالبا ما تتكرّر في سينما الخيال العلمي، ويجري تكريس معاناة الناجين وكيف يواجهون واقعهم الجديد.

والحاصل أن المعماري المحنك فيكتور سوف ينخرط مع مجموعة من أولئك الناجين الذي يواجهون قدرهم ومصيرهم، فهم أمام قوتين؛ الأولى هي كائنات وحشية صخمة تستهدف البشر وتحصد الأرواح وتظهر في مظهر أكثر سريالية ممّا نتصور، والقوة الأخرى هي فلول من المسلحين.

ويتركّز جهد المجموعة التي ينتمي إليها فكتور على البحث عن جزيرة تكون ملاذا لهم وتكون صالحة للعيش، ولهذا يمضون في طريق مزروع بالألغام والمصاعب، وخلال ذلك يكتشف فكتور مهارة عجيبة لم يكن يعلمها عن نفسه وتتمثل في قدرته على جلب الخيال إلى الواقع، بمعنى أنه عندما يتخيل جدرانا زجاجية سميكة يمكن أن تحمي المجموعة فإنه يوجدها بعد حين.

وفي موازاة ذلك، لا تنقطع أسئلة فيكتور عن نفسه ووجود وأثر ما تبقّى من ذكريات عالقة في عقله. لكنه كلما تساءل وجد إجابات من المحيطين به وجميعها تحيله إلى الغيبوبة واللاوعي بل إنه يصل إلى قناعة في مرحلة ما أن عودته إلى الحياة البدائية ما بعد هذه الديستوبيا الشاملة، هو أفضل بالنسبة له من العالم الصاخب والمكتظ والملوّث الذي كان يعيش فيه قبل أن يقع الحادث، ولهذا يتمنى ألا يعود مجددا.

ولعل من المفارقات أن يجد فيكتور صديقته المقرّبة فلاي (الممثلة ليوبوف أكسيونوفا) إلى جانبه، وهي التي كانت معه عندما وقع الحادث وما قبل مرحلة الغيبوبة. ولكنه سوف يتعرّف عليها من جديد وكأنه لا يعرفها.

تلك العلاقة تم رسمها بشكل جمالي وإنساني بديع وقع من خلالها الكشف عن المزيد في ما يتعلق بالرابطة التي تربط بينهما بلا كثير من التهييج العاطفي.

وفي موازاة ذلك، دخل الفيلم في إطار نوع أفلام الحركة والمطاردات من خلال زعامة فانتوم (الممثل أنتون بامبوشني) الذي يخوض صراعات دامية دفاعا عن المجموعة ضد الكائنات الوحشية التي تلاحق الجميع من جهة، وضد الفلول المتبقية من الناجين.

وخلال ذلك يتحوّل “باص” قديم في أرض مهجورة إلى ملاذ للمجموعة تلوذ به كلما اشتدت عليها إمكانية المضي في السير بحثا عن الجزيرة الحلمية التي يتّجهون بصبر، وبلا كلل للوصول إليها مهما كانت الصعاب.

خراب عظيم ضرب الصين مرورا ببريطانيا وصولا إلى إيطاليا حتى تآكلت ملامحها واسودّت أجواؤها
خراب عظيم ضرب الصين مرورا ببريطانيا وصولا إلى إيطاليا حتى تآكلت ملامحها واسودّت أجواؤها

متعة الدخول في الغيبوبة في هذا الفيلم هي متعة الغوص في الذاكرة واللاوعي وقد نسج المخرج على تلك الغيبوبة صورا شعرية مُرهفة، فحتى المدن والحواضر مهدمة أو متآكلة إلاّ أن فيها عناصر جمالية حرص المخرج على الإبقاء عليها.

وأما إذا انتقلنا إلى بنية الصراع فلسوف نجده مكرّسا ما بين فانتوم من جهة وبين يان (الممثل كونستانتين لافرونيكو)، وهذا الأخير هو عالم وفيزيائي ولهذا فإنه يسعى من خلال تلك المهمة وحالة فيكتور إلى رؤية العالم عبر أزمنة غير محددة، أي ترسيخ فكرة عبور الزمن ولهذا يخوض صراعا مع فانتوم وكل منهما يريد تحقيق هدف من حركة المجموعة وسعيها للوصول إلى الجزيرة الحلمية.

على صعيد المكان الفيلمي، فلا شك أن المخرج قدّم ببراعة تنوّعا مكانيا ملفتا للنظر، كما أجاد الانتقالات المكانية مُستفيدا من المؤثرات البصرية والغرافيك والألوان حتى بدت الكثير من اللقطات على أنها لوحات متكاملة ومعبّرة جماليا.

ربما يكون الجانب البصري في هذا الفيلم هو الأكثر ثراء وغنى بالمقارنة مع التركيز على قصة الديستوبيا وحالة المدن ما بعد الخراب وهي قصة مألوفة في سينما الخيال العلمي، ولأن المخرج اختار أصعب ما يمكن في الانتقال عبر مدن العالم وما طالها من خراب، لهذا كان مضطرا للحلول البصرية من خدع ومؤثرات وجرافيك لغرض تقديم أفضل ما عنده في ميزانية محدودة لا تُضاهى بميزانيات هوليوود ليقدّم فيلما ناجحا ومتميزا.

16