الغيرة البناءة

الأربعاء 2018/01/31

في مقال عن الغيرة كتبت مديسون تيلر تقول “إن الغيرة شعور بالانزعاج يكون سببه غالبا نقصا ما في حياتنا أو ممتلكاتنا أو هيئتنا الخارجية أو بنيتنا الشخصية والاجتماعية والثقافية.. وهو شعور إنساني معروف.. بيد أنه واحد من أسوء المشاعر التي قد نواجهها في حياتنا اليومية.. فلا أوجع من ذلك الشعور باللا عدالة حين يجد أحدنا أن الحياة حرمته من شيء وأغدقت العطاء منه لسواه”.

والأسوء في الأمر أن نكون مضطرين مثلا إلى التعامل مع ذلك الشخص بشكل يومي دون أن تكون لنا مساحة للتنفس ولتجاوز ذلك الشعور أو تبديده أو التخلص منه.. فقد يشعر المرء بالغيرة من أخيه أو أخته أو صديقه الأقرب أو زميله في العمل.. وقد يواجه البعض تحديا أكبر حين يشعر أحدهم بالغيرة من شريك حياته أو أحد أبنائه أو أبويه! وأيا ما كان الحال فبإمكاننا تطويع ذلك الشعور وتطبيعه إذا ما فهمناه وقررنا علاج أنفسنا منه بالانشغال عنه بما هو أجدى وأكثر صحية لحياتنا من سلبية الغيرة، والوسيلة الأفضل هي تحويل طاقة ذلك الشعور إلى شيء إيجابي، وهو ما اصطلح عليه بـ”الغيرة المنتجة” أو “الغيرة البناءة”.

فقد ذهب بعض المختصين إلى الاعتقاد بأن للغيرة جوانب إيجابية، فهي بدءا تضمر تفاصيل قد لا تكون جلية عن أنفسنا ورغباتنا، فحين نشعر بالغيرة من شيء يمتلكه آخر ولا نملكه نحن فإنما ذلك بداية الطريق لفهم أنفسنا، وأولى الخطوات نحو تحقيق ما تصبو إليه أرواحنا، كأن يكون المال الوفير أو الصحة أو الوظيفة المرموقة أو الهيئة أو الانتماء العائلي أو العلم والمعرفة وسوى ذلك.. فتصبح الغيرة سببا يجعلنا نتخذ القرار بأن نحصل على ما نريد، بدل أن نشعر بالانزعاج من عدم امتلاكنا له، شرط أن نقدر ما نشعر به وما نطمح إلى أن نكونه.

وإذا ما أدركنا تلك الحقائق نستطيع أن نحول الغيرة إلى إحساس بالتنافس أو إلى دافع للبحث عن تعويض عما ينقصنا، وليس بالضرورة أن نحصل على كل شيء مرة واحدة، فمن يملك الجمال قد لا يملك الصحة. ومن يملك المال قد لا يملك حب الآخرين، ومن يملك العلم قد لا يملك المكانة الاجتماعية، ومن يملك الشهرة قد لا يملك الموهبة، ومن يملك الإخلاص والنزاهة قد لا يملك خفة الدم وإلى آخره.. فالقائمة هنا تبدأ وقد لا تنتهي عند حد.

وينصح الدكتور هادسون بيل، وهو طبيب نفسي وكاتب، بألّا نغالي فنستمرئ ذلك الشعور المزعج بالغيرة وألا نستسلم له ونغذيه بالحديث عنه وتعميق وجوده، لأننا بذلك نسمح له بأن يتمكن منا فيكون متأصلا فينا مسيطرا علينا بدلا من أن نسيطر نحن عليه.

ومما لا شك فيه فإن لكل منا ظروفه العصيبة العصية على التجاوز، وقد لا ينجح إزاءها في التخلص من استبداد الشعور بالغيرة، وعندئذ لن يكون أمامه سوى أن يتقبل أن لكل امرئ حياته وبصمته الفريدة في هذا العالم، بصمة لها معناها الذي لا يمكن لأحد أن يشبهها أو أن يمتلكها. ولهذا وحده أن يجعل التميز صفة إنسانية أخرى تميزنا كبشر.

وعندئذ نستطيع أن نمنح العالم بدلا من الغيرة والحقد حبا وعطاء وأملا بالحياة.

صباحكم مشاعر أحلى..

شاعرة عراقية

21
مقالات ذات صلة