الغيرة تطيل عشرة الأزواج أو تدمرها

الغيرة بوجهيها الإيجابي والسلبي فعل نفسي لا بد من التحكم فيه، فالغيرة المفرطة ليست سوى أنانية وحبّ للذات، وهو شعور مدمّر لكلا الطرفين معا.
الثلاثاء 2018/12/04
أجمل أنواع الغيرة غيرة الحبّ

الأسباب الكامنة وراء تدهور العلاقات الاجتماعية والأسرية كثيرة جدا، تتفرع وفق مجالات ومرجعيات مختلفة منها الأخلاقي-القيمي ومنها الديني ومنها الفكري والفلسفي وحتى الأيديولوجي. ولكن أن تصبح الغيرة ظاهرة اجتماعية سلبية تساهم بنسب عالية في تدهور العلاقات الزوجية ومن ثمة تفكك العائلات وانخرام التوازن فيها، فهو ما يتناقض مع المعنى الأصلي والإيجابي للغيرة الدال على الحبّ والودّ وتمسّك الجنسين ببعضهما البعض للمحافظة على العلاقة التي تجمعهما مهما كان نوعها.

للغيرة وجهان متناقضان لا يتماهيان مطلقا على حدّ التوصيف “أجمل أنواع الغيرة غيرة الحبّ، وأسوأ أنواع الغيرة غيرة الحقد”، بمعنى أن هناك غيرة إيجابية تساهم في توطيد العلاقات بين الجنسين وهي علامة حبّ وودّ تجمع طرفين التقيا نفسيا، وإذا لم يوجد في مثل هذه العلاقات هذا النوع من الغيرة فإنها ستصاب لا محالة بالفتور وهو العدوّ المقيت لاستمرار جذوة الحبّ المتقدة والتي إن خبت أضحت العلاقة اجتماعية تقوم على “العشرة” ويصبح الزواج مجرد عقد اجتماعي تشاركي لا حياة روحية وعاطفية فيه بل هو مشروع اجتماعي أسسه مادية وأهدافه غائية براغماتية لا تتعدى مجرد اللقاء تحت سقف خال من كل أحاسيس منعشة.

أما الوجه السيء للغيرة فهو الحقد بكل ما يحتويه المصطلح من معاني الكره والشك وعدم الثقة في الشريك، وانطلاقا من هذا المفهوم تبدأ المتاعب بين طرفي العلاقة مهما كان نوعها. يتطوّر الشعور بالغيرة ليصبح ظاهرة مرضية.

يتساءل البعض: هل أن الغيرة فطرية أم مكتسبة؟ وتذهب أغلب الدراسات إلى أن الغيرة شعور فطري يرافق الإنسان منذ نشأته الأولى، فهي سلوك فطري يرافق الطفل ويتعاظم بالخصوص لدى الفتيات، وهو ما يؤثر على حياة الطفل ويولد لديه صراعات إذا تجاوزت الحدّ المعقول تصبح دافعا للكذب أو العناد أو العدائية أو الانطوائية، وقد تكون لذلك عوارض أخرى عضوية كالتبوّل اللاإرادي أو قضم الأظافر، وإذا ما لم يحسن أفراد العائلة التعامل بحرفية مع الوضع فإنه يتفاقم ليصبح مرضيّا ويرافق الطفل في باقي مراحل حياته.

الجزء المكتسب في الغيرة هو في الحقيقة ليس سوى تغذية اجتماعية للشعور الفطري بها، وتبدأ من المحيط الأسري الذي يفرط في “الدلال” عند مباشرة التربية، بزرع الأنانية وحبّ التملك وحتى الانتهازية، فينشأ الإنسان على حبّ الذات ويعتقد أنّ الطرف المقابل يدخل أيضا في دائرة ممتلكاته، ومن هنا تتراكم تداعيات الغيرة لتصبح كابوسا مؤرقا. قد تُفهم فهما إيجابيا مقنعا دواعي الغيرة بين الجنسين إذا كانت تربطهما علاقة حبّ وودّ سواء قبل أو بعد الزواج، بحكم أن الغيرة في حدودها المعقولة تُعدّ عنوانا لتجديد العلاقات الوجدانية والروحية التي تجمع المتحابين، ويعتقد البعض أن الذي لا يغار -رجلا كان أو امرأة- فإن عاطفته تجاه الآخر بها خلل ما قد يفضي إلى الاقتناع بعدم وجود حبّ أصلا.

أمّا إذا فاقت هذه الغيرة حدّها المعقول فتنقلب إلى كابوس يؤرق الطرفين، فكم من علاقات خطوبة لم تكتمل بسبب الغيرة، وكم من قضايا ودعاوى رفعت في المحاكم وحكم فيها بالطلاق وتفكك عائلات وتشرد الأطفال بسبب الغيرة العمياء. فيسكن الشك نفوس البعض وتتعاظم الوساوس ويصبح أي فعل -طبيعي في أغلب الأحيان- يبعث في النفس نقاط استفهام كثيرة لا يجد لأغلبها تفسيرات فتثقل كفة الظنّ على اليقين، ويصاب المرء بإحباط وضغط نفسي لا سبيل لاحتمالهما، وبهذا تكون الغيرة نوعا من المرض النفسي وحتى البدني.

هناك نوع من الغيرة من الصعب تفهّمه لأن العلاقة بين الطرفين، من نفس الجنس أو العكس، سطحية أو غير موجودة أصلا وهي تدخل في سياقات مختلفة؛ منها مثلا ما نبرر به التنافس الشديد في الفضاءات التربوية أو فضاءات العمل أو أماكن ممارسة الرياضة وغيرها، والغيرة هنا فعل نفسي دافع للمنافسة من أجل التفوّق، وتنافس التلاميذ خير دليل على ذلك.

ومنها مثلا أن يعجبك شخص ما دون أن تربطك به علاقة وطيدة، فتغير لمجرّد رؤيته منسجما مع غيرك، وهذا النوع من الغيرة نجده أساسا عند غير المتزوجين والذين لم يحظوا بعد بعلاقة عاطفية متميزة، وكأنهم يرون في الإعجاب تملّكا ونوعا من السطوة النفسية التي تغرقهم في الأحلام ولعلها أحلام اليقظة.

عموما فإن الغيرة بوجهيها الإيجابي والسلبي فعل نفسي لا بد من التحكم فيه، فالغيرة المفرطة ليست سوى أنانية وحبّ للذات، وهو شعور مدمّر لكلا الطرفين معا، فلا بد من جعل الأمر تحت السيطرة خاصة بين الأزواج لأن الثقة إذا فقدت بينهم تستحيل الحياة، ولذلك بالتأكيد تأثيرات خطيرة سواء على المستوى النفسي فتصبح مرضا نفسيا عضالا لا شفاء منه، أو على مستوى العلاقات البشرية التي تتدمّر بمجرد الغيرة والشك. ولو عدنا إلى أسباب الطلاق وهي عديدة فسنجد بالتأكيد أن الغيرة تمثّل أحد أهم هذه الأسباب وأكثرها فاعلية.

21