الـ"باي فال" جماعة سنغالية مسلمة غريبة الشعائر نبيلة الجوهر

الثلاثاء 2014/07/08
أتباع الـ«باي فال» مشهورون بضفائر شعرهم ولباس «البوبو» الأفريقي الحامل لصورة شيخهم ابراهيما فال

توبا (السينغال) - العادات والتقاليد في شهر الصيام تتعدّد من بلد إلى بلد ومن جماعة إلى جماعة، غير أنّها طالما تركّز في جوهرها الموحّد على ضرورة التآزر والتضامن، وخلق أطر روحية أكثر للتسامح والتعايش. وفي هذا الإطار يتنزّل مثال جماعة الـ”باي فال” السنغالية التي اختارت رغم غرابة طقوسها وشعائرها العقائدية، ألاّ تصوم وأن تُطعم الصائمين ملذّات تبقى محظورة على مريديها. مثال فيه من الغرابة ما يستدعي الدراسة والتدقيق. وغرابةٌ لم تَحُلْ دون قيام جوهره على قيم نبيلة تحتمل الذّكر والتنويه.

جماعة الـ”باي فال”في السنغال، هي جماعة مسلمة، يقدّم مريدوها أنفسهم على أنّهم “معفون من فريضة الصوم”، ويدافعون عن ممارساتهم هذه على الرغم من تعارضها مع تعاليم الإسلام التي تحدد بدقة ووضوح الحالات التي تُعفي المسلم من صيام شهر رمضان المعظم.

وعلى الرغم من أنّ عبدالله ديوب، المختص في القانون الإسلامي، يصف ممارساتهم بأنّها “بدعة”، وبأنّها تثير العديد من الانتقادات، إلاّ أنّ أتباع الـ “باي فال”، الذين يعرفون بقربهم من أوساط الطريقة “المريدية” في السينغال، يبدون الفخر عند حديثهم عن اختياراتهم الروحية ورؤيتهم للأمور، خاصّة أنّهم يرونها قائمة على قيم نبيلة أساسها التحابب والتسامح.

وفي هذا السياق، يقول جبريل ديال، أحد أتباع الشيخ نديغويل فال، أحد رموز “المريدية” (وهي طريقة صوفية) في السنغال إنّ عناصر الـ”باي فال” يعتمدون في القول بإعفائهم من فريضة الصيام على الحديث النبوي الشريف: “مَن فطّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنّه لا ينقص من أجر الصائم شيئا”.

جبريل أضاف قائلا: “يتم ذبح 28 خروفا و100 دجاجة يوميا، في بيت شيخي”. ففي مباكي عاصمة الـ”بايفاليزم”، الواقعة في منطقة ديوربيل، على بعد حوالي 150 كيلومترا على داكار، ينكب “الباي فال” على إعداد وجبات دسمة للصائمين بصفة يومية، ينقلونها في ما بعد إلى بيوت أحفاد الشيخ أحمادو بامبا (منشئ الطريقة المريدية). ويتمّ توزيعها من ثمّة على سكان مدينة توبا (عاصمة المريدية ومعقل الباي فال) وإلى المناطق المجاورة.

ولكن البيت الذي يمتلك نصيب الأسد من مصاريف شهر رمضان يبقى بيت ديومبي فال، “خليفة” الـ “باي فال”.

أتباع الـ«باي فال»، يبدون فخرهم باختياراتهم الروحية، ويرونها قائمة على قيم نبيلة أساسها التحابب والتسامح

حيث يقول، موما ركاني، وهو أحد تلاميذه: “نطبخ يوميا في هذا البيت 200 خروف و 1000 دجاجة، بالإضافة إلى المشروبات التي نقدمها للصائمين”.

ولا يمتلك أيّ كان من الـ”باي فال”، عدا الطباخين، الحق في تذوق هذه الأطعمة، حيث يقول سوكنا روكايا، أحد العاملين في مطبخ الشيخ نديغويل فال: “الوجبات معدة حصريا للصائمين. فبعد طبخ المآدب، لا نأكل إلاّ طبقا من الأرز يتمّ طهيه على عجل”.

ولكن هذه الممارسات والمعتقدات، وعلى الرغم من أنها تنطوي على بعض الفوائد وتنشر روح التسامح والتآزر، إلا أنه لا يمكنها البتة تعويض فريضة من الفرائض الأساسية للدين الإسلامي، ألا وهي صوم رمضان، حسب عبدالله ديوب، المختص في القانون الإسلامي.

وفي ذات السياق، أضاف ديوب قائلا: “الشيخ الذي لا يقوى على الصيام، والشخص المصاب بمرض يمنعه من الصيام بطريقة سليمة، هما المعنيان بالإعفاء من الصيام والملزمان بدفع فدية”.

وتابع قائلا، بخصوص الحديث النبوي القائل بإثابة كل من يفطر صائما، “إنّ ما يجب فهمه من الحديث النبوي المنقول عن الترمذي هو أنّ إفطار صائم لا يعدو أن يكون إلاّ ثوابا إضافيّا، ولكن لا شيء يعوض الصيام الذي يعدُّ فريضة على كل مسلم، كما ذكر في الآية 183 من سورة البقرة”. ومن ثمّة أشار إلى أنّه من منظور الشريعة الإسلامية فإنّ “ترك فريضة الصوم أو أحد الأركان الأخرى بصفة طوعية يعتبر كفرا”، قبل أن يستدرك قائلا إنّ “الصوفية لها أسرارها”. ومن جهته، أكّد جبريل أنّ “الباي فال” لا يعيرون اهتماما للأموال التي تنفق على أعمالهم الخيرية.

هذه المعتقدات تنطوي على بعض الفوائد وتنشر روح التسامح والتآزر لكنها لا تعوض فريضة من فرائض الإسلام

حيث قال بنبرة فيها الكثير من الفخر: “نحن نقوم بذلك بكل عناية ونقوم بالأمر بكل ترف، نديغويل فال يتواجد حاليا في جنوب أفريقيا لجمع أموال من حقول يمتلكها هناك”.

مضيفا بالقول: “يتكفل كل فرد من الأتباع بدفع المساهمة الخاصة به بشكل إجباري وهي تختلف مع اختلاف مكانته، شخصيا أنا مكلف بدفع 75 ألف فرنك أفريقي (155 دولار)”.

من جهته قال أحد أتباع هذه الطريقة: “جميع الباي فال ملزمون بالمساهمة في هذه الحملة، كل بما يقدر عليه؛ تمرة، كوب من القهوة أو حتى كسرة خبز، كل شيء مقبول ويتعلق بحسن النوايا”.

ويشيد المستفيدون من مآدب الـ“باي فال”، وهم في العادة من ضعاف الحال، بما يتحصلون عليه، حيث تقول أوا ندور، أرملة وأم لـ4 أطفال: “الوجبة التي أحصل عليها، تكفي لسدّ رمق كامل الأسرة خلال الإفطار والسحور”. وتجدُر الإشارة إلى أنّ “الباي فاليزم” يُعتبر إرثا من الشيخ ابراهيما فال (1858-1930)، أحد الأتباع الأوفياء للشيخ أحمادو بامبا، منشئ “المريدية” التي جرى تناقلها جيلا بعد جيل، وعرفت بديناميكيتها على مدى الزمن وسجلت انخراط العديد من الأشخاص في صفوفها من جميع الطبقات الاجتماعية (ومن ضمنهم بعض الغربيّين).

ويطلق على أحفاد الشيخ ابراهيما فال، اليوم، إسم “بابول الموريدين” (باب الدخول إلى المريدية) وهم يديرون شؤون ما يقارب الـ20 بالمئة ممّن يتبعون المريدية، والمقدرة نسبتهم بـ 31 بالمئة من عدد السنغاليين أي حوالي 4 ملايين من الأتباع.

ويمكن التعرف على أتباع “باي فال” بسهولة عبر لباس “البوبو” (لباس أفريقي) المنمق بالخرز والقلائد الحاملة لصورة يظهر فيها وجه الشيخ ابراهيما فال، بالإضافة إلى تصفيفة الشعر ذات الضفائر الأفريقية.

13