الـ"برابو" ثيران إسبانية في حلبة المتعة والأذية

مصارعة الثيران رياضة إسبانية قديمة تتم فيها المواجهة بين المصارع والثور في حلبة على مرأى ومسمع من الناس الذين يحضرون لمشاهدة تغلب الإنسان على الحيوان، أو بمشاركة الجمهور في الشوارع، الذي يجري جنبا إلى جنب مع الثيران. وقد بدأت هذه الرياضة تلقى مناهضين لها بعد أن كانت تمتع عشاقها بالإثارة والتشويق وحبس الأنفاس.
الأربعاء 2017/07/12
الماتادور لا يفوز إلا على ثور منهك

بامبلونا (إسبانيا) - بدأ الاحتفال السنوي كعادته بمهرجان “سان فيرمن” في مدينة بامبلونا في شمال إسبانيا يوم السابع من يوليو من كل سنة ويستمر أسبوعا كاملا.

ويتضمن المهرجان ما يُعرف باسم مسيرات العمالقة وموكبا آخر لتكريم القديس سان فيرمين، وتتم إقامة مصارعة الثيران طيلة الأسبوع في بلازا دي توروس، حيث يتم كل صباح إطلاق ثيران المصارعة في الشوارع.

وبدأت فعاليات جري الناس والثيران جنبا إلى جنب، الجمعة، في حين يشجعهم باقي الحضور والمتابعون الذين يصل عددهم الآلاف من إسبانيا وخارجها.

وفي اليوم الأول لهذه الفعاليات التي تثير جدلا واسعا في إسبانيا، تعرض أربعة أشخاص للنطح مما خلف لهم إصابات طفيفة.

وأشارت صحيفة “الموندو” الإسبانية إلى أنه تم نقل المصابين الأربعة إلى مستشفى نافارا بعد إصابتهم في اليوم الأول من مهرجان سان فيرمن المثير للجدل، إضافة إلى إصابة ثمانية أشخاص آخرين خلال الثلاثة أيام التالية.

وسقط ثور يوم الاثنين، فى البحر، أثناء فعاليات مهرجان للركض مع الثيران، الذي ينظم فى بلدة دانية الساحلية، في مقاطعة لقنت جنوب شرق إسبانيا، وهي البلدة المطلة شواطئها على البحر المتوسط.

وسقط الثور أثناء مطاردته لعدد من المشاركين في المهرجان، والذين حاولوا الهروب من نطحاته فانزلقوا على حافة أنصارا ممت أثر على البحر، وسقطوا في المياه وسقط معهم الثور الذي فقد هو الآخر توازنه، مما دفع عددا من القائمين على تنظيم المهرجان إلى استخدام قارب لسحبه إلى الشاطئ.

ولا تزال مصارعة الثيران شائعة في إسبانيا ولها جمهور من المتابعين الشغوفين، لكن حملة ضد مصارعة الثيران وغيرها من الرياضات الدموية تكتسب أيضا قوة دافعة، أثرت على عدد مهرجانات مصارعة الثيران التي بدأت تتناقص.

وينجذب الكثير من السياح لبعض المهرجانات السنوية التي تنظم مواجهات مع الثيران في إسبانيا، مثل مهرجان سان فيرمين حيث تركض خلاله الثيران في شوارع مزدحمة في مدينة بامبلونا الشمالية.

المصارع فيكتور باريو توفي السنة الماضية بعد تعرضه لطعنه بقرن ثور في حلبة مهرجان أنخل

رياضة غجرية

منذ بدايات القرن الخامس الميلادي أدخل الغجر الذين هاجروا من الهند ودول جنوب أميركا إلى أوروبا رياضة مصارعة الثيران، فانتشرت سريعا وتطورت وأخذت أشكالا وألوانا مختلفة، لكنها سريعا ما اختفت من أغلب دول أوروبا واستمرت في إسبانيا لأسباب لم يتوصل إلى شرحها المؤرخون. وحرّم المسلمون هذه الرياضة بعد غزوهم للأندلس.

ويقول ياسر الشريف الباحث بمركز الدراسات الأندلسية بمدريد “إن رياضة مصارعة الثيران ألغيت وحرمت مع بداية الفتح العربي سنة 711 بقيادة طارق بن زياد، وبعد ثلاث سنوات تقريبا أصدر موسى بن عبدالله قائد جيوش الفتح وأمير البلاد فرمانا بتجريم ممارسة رياضة مصارعة الثيران”.

وفي سنة 1492 أصر الملك فرنانديو والملكة إيزابيلا على إقامة أول مباراة مصارعة ثيران عشية رحيل آخر ملوك الأندلس العرب أبوعبدالله الصغير.

وتختلف مصارعة الثيران في الحلبة عن تلك التي تجرى في الشوارع؛ فالأولى تبدأ بدخول الثور الذي يسمى الـ“برابو” إلى الساحة هائجا بعد أن تم حبسه في غرفة مظلمة لمدة 24 ساعة قبل النزال لإصابته بالمزيد من التوتر والعدوانية ويتولى مصارعون مبتدئون مشاغلته وجذبه إلى حيث يكون المصارع الرئيسي الذي يشاغله بقطعة قماش حمراء في عملية اختبار للقوة بين الطرفين، حتى يتمكن المصارع والذي يطلق عليه الماتادور طعن الثور في ظهره برمح ذي سنين قصيرتين في عملية تهدف إلى إحداث نزيف يستمر طيلة مدة الصراع الذي يدوم من عشرين إلى 25 دقيقة لكل ثور، ثم تبدأ مرحلة أخرى يتولى فيها عدد من المصارعين إدخال ثلاثة أزواج من السهام في ظهر الثور لتزيد كمية الدم النازف، ثم يعود المصارع الرئيسي إلى مشاكسة الثور الذي بدأ ينهار.

وبعد أن يتأكد الماتادور من أن الثور أصبح في حالة لا تؤهله للاستمرار في النزال، يشرع في اختيار اللحظة والوضعية المناسبتين لتوجيه الطعنة الأخيرة إلى خصمه، وهي طعنة تتم بواسطة سيف يبلغ طوله مترا له انحناءة خفيفة في نهايته وتتم الطعنة بشكل عمودي في ظهر الثور بطريقة تؤدي إلى اختراق قلبه.وبعد انهيار الثور الذي يعاني من النزيف الذي يخفض الضغط الدموي نتيجة الركض وسط الحر والنشاط المكثف، يمارس المصارع استعراضه ويتمادى في تعذيب خصمه ثم قتله.

وتتم المباراة في حفلة على أنغام الموسيقى الخاصة التي تشتهر بها إسبانيا، وهناك رقصات تصمم على أنغامها لتصاحب لعبة المصارعة وتواكب مراحلها منذ دخول الثور إلى الساحة وحتى خروجه منها سحبا، ثم يتقدم المصارع لتحية الجمهور ونيل الجائزة.

وهذه الرياضة لا تضمن الفوز دائما للماتادور، فهي من أخطر الرياضات، إذ أن المصارع لا تتوفر لجسده الحماية الكافية من قرون الثور الحادة وقوة بنيته التي قد تفتك بالمصارعين وتؤدي بهم إلى الموت، كما حصل مع المصارع فيكتور باريو الذي توفي السنة الماضية بعد تعرضه لطعنه بقرن ثور داخل الحلبة ضمن مهرجان (أنخل)، وتم نقله عقب الواقعة إلى العيادة لكن الأطباء لم يتمكنوا من فعل شيء لإنقاذ حياته.

من الضحية

وتنتشر مشاهد ركض الثيران في الشوارع بخلاف مصارعة الثيران الحقيقية في جميع أنحاء إسبانيا تقريبا. وقد اشتهرت مهرجانات القرى في شمال شرق إسبانيا بتثبيت هيكل حديدي يحتوي على كرات من مواد سريعة الاشتعال وألعاب نارية على قرني الثور، ويتم إيقاد النار في الكرات وينطلق الثور في الشوارع وقد أصابه الذعر من أصوات المواد المشتعلة التي تحتوي على ألعاب نارية فوق رأسه، بينما يقوم الجمهور بمضايقته ومراوغته من خلال العدو حوله وتشتيت تركيزه، هذه المشاهد المعروفة باسم “ركض الثيران” تتمتع بشعبية في بعض مناطق كاتالونيا قبل إلغائها سنة 2012.

ومن أكثر أنواع ركض الثيران في كاتالونيا “الثور المشتعل”، و”الثور المقيد“.

وتقول دورا كاسادو من حزب مناهضة مصارعة الثيران إنه في النوع الأخير “يتم سحب الثور في الشوارع بحبال بينما يتبعه الناس ويصيحون ويسحبونه من ذيله ويكيلون إليه الركلات والضربات بالعصي”.

وتوضح أنه في كلا المشهدين لا يقتل الثور، لكنه يتعرض لمثل هذا الهلع حتى أن بعض الثيران تموت بالسكتة القلبية من الخوف وليس من الضرب، لكن أولئك الذين يدافعون عن ركض الثيران يؤكدون على الحياة الجيدة التي تعيشها ثيران المصارعة، التي تربى في مراع باهظة التكاليف.

وتضيف أن ثمة مشاهد أخرى تتضمن إلقاء السهام على الثيران، وقتلها بالرماح أو مطاردتها بالسيارات حتى موتها، متابعة “في بعض الأماكن تتلقى الثيران صدمات كهربائية، رغم أن ذلك غير قانوني”.

ولعل أكثر المشاهد شهرة هي ركض الثيران في مدينة بامبولونا والذي يقوم خلاله الرجال بالجري بجوار الثيران المصارعة في حدث يجتذب نحو مليون سائح إلى المدينة، علما وأن مهرجانات مماثلة تنطلق في عدة أماكن أخرى من إسبانيا خلال نفس الفترة.

كرنفالات تثير الجدل

مصارعة الثيران أثارت مؤخرا الكثير من ردود الأفعال المضادة الرافضة لها، وخصوصا من جانب جماعات الرفق بالحيوان التي تنظر إلى هذه الرياضة الشعبية بوصفها تعذيبا للثيران وقتلا لها بطريقة وحشية.

وأظهرت استطلاعات الرأي لمعهد غالوب للدراسات تراجع شعبية مصارعة الثيران في العقود الأخيرة في إسبانيا، ففي عام 2015 أجاب 10 بالمئة فقط بأن المصارعة تعجبهم كثيرا و21 بالمئة تعجبهم بعض الشيء أما 69 بالمئة فأجابوا أن الحفلة لا تعجبهم، وهذا يعني أن الأغلبية ترفض حفلات مصارعة الثيران.

كما يشير الاستطلاع إلى أن المجتمع الإسباني منقسم حول هذه اللعبة إلى ثلاث شرائح؛ الشريحة الأولى تؤيد هذه اللعبة ولا ترى فيها أي انتهاك لحقوق الحيوانات بدعوى أنها لا تتألم أو أنها تتألم ولكن ليس كالإنسان، والشريحة الثانية تعارض مصارعة الثيران وترى فيها جريمة في حق الحيوانات وربما تراها عنوانا لنوع من التخلف لدى المجتمع الإسباني، أما الشريحة الثالثة فلا تبالي بما يحدث أو هي حائرة في اتخاذ موقف منها، خصوصا أن بعض الشخصيات الرسمية كملك إسبانيا تحرص على رعاية بعض حفلات المصارعة.

الفرار المثير

ويرفع المتظاهرون الذين يحتجون في كل المناسبات التي تنظم فيها مصارعة الثيران شعارات مناهضة للتعذيب مثل “الأعياد الشعبية يجب أن تتم دون إلحاق الأذى بالحيوان”، و”العنف ضد الثيران عنف ضد الجميع”، و”لا لتعذيب الحيوانات”، مطالبين بإلغاء الكرنفالات التي تتعرض فيها الثيران للأذى.

وتقول ماري باث روخو المناهضة لمصارعة الثيران في مدريد “يحزنني أن بعض الناس يريدون أن يستمتعوا على حساب كائن حي آخر. ثمة طرق أخرى لتمضية الوقت، لا نريد أن يُعرف مواطنو إسبانيا بمصارعة الثيران، فهذا ليس عيدنا الوطني”.

وينظر إلى مصارعة الثيران على أنها رمز للشخصية الإسبانية، وقد ألهمت مصارعة الثيران الكثير من الرسامين الذين اقتبسوا من مشاهدها الكثير من اللوحات منهم سلفادور دالي وبابلو بيكاسو.

وتقام مسابقات لمصارعة الثيران المصنفة ضمن القيم الثقافية والتاريخية في إسبانيا، وتسمح إدارات الحكم الذاتي في عموم البلاد بتنظيم هذه المسابقة ما عدا جزر الكناري وكتالونيا.

ويقول المدافعون عن هذه اللعة الخطيرة إنها تراث إسباني لا بد أن نحافظ عليه. ميكيل فيري ممثل اتحادات مشجعي مهرجانات الثيران في منطقة إيبرو في جنوب كاتالونيا، يقول إن لعبة الثيران “ليست مجرد وسيلة للتسلية، ولكنها شعور ينبثق إلينا من دماء أجدادنا”.

ويقول مربي الثيران بيدرو فومادو “تعمل تلك الحيوانات يومين فقط في العام عندما تشارك في تلك المهرجانات.. إنها تعيش مثل الملوك”.

وانتقلت مصارعة الثيران إلى العالم العربي وخاصة في سلطنة عمان، ولكن بشكل مختلف، ففي محافظتي صحار وبركاء تتم تربية الثيران للمصارعة في حلبات خاصة، ويكون هذا النوع من النزال بين ثور وآخر، حيث يترك الثوران إلى أن يجبر أحدهما الآخر على الفرار أو التوقف عن النزال.

20