الـ"شنغن العربي" مجال لانتقال حر للسلاح والإرهاب وثقافة الحرب

جاء في دراسة لمعهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية أن المنطقة العربية كان يمكن أن تكون المساحة المثلى لقيام اتحاد يشبه الاتحاد الأوروبي بل وبشكل أقوى، نظرا لتجانس الرقعة الجغرافية العربية من الناحية اللغوية والحضارية والدينية في الحين الذي تتميز فيه أوروبا بالتباين الشديد بين شعوبها. لكن ما حدث هو العكس، فقد اتحد الأوروبيون في المنافع بينما اتحد العرب في اقتسام الحرب والتطرف.
الجمعة 2016/08/05
خيار عسكرة الحدود فرضته إكراهات الواقع العربي

بروكسل - في تناقض واضح مع ما يحدث في الاتحاد الأوروبي من اندماج كامل وتنقل حر للأشخاص والبضائع، فإن الفضاء العربي لا يمكن له أن يحظى بهذا التكامل والاندماج بالرغم من التجانس الحاصل في كل النواحي، إلا أن انتقال الأفكار العنيفة والمتطرفة والأيديولوجيات الجهادية والأزمات هو انتقال سلس عوض أن يكون انتقال المنافع سيد الموقف.

فالاتحاد الأوروبي فضاء يتنقل فيه المواطنون بالحرية نفسها التي تتنقل بها البضاعة والخدمات ورأس المال، ويمكنهم العيش والعمل والدراسة والقيام بالأعمال في كل مكان تقريبا. أما العالم العربي فهو بأشكال متعددة النقيض التام لذلك بالرغم من اتفاقية أبرمتها جامعة الدول العربية سنة 1957 تتصور المشروع نفسه كالاتحاد الأوروبي.

كل دولة عضو في الجامعة العربية تفرض قيود تأشيرة على نصف الأعضاء الآخرين على الأقل، ومازالت أغلب الرسوم الجمركية قائمة ومن الصعب الحصول على تصريحات عمل، وبالكاد يعمل 2.5 بالمئة من العرب في دول عربية أخرى، و5.2 بالمئة من التجارة تتم داخل المنطقة (داخل الاتحاد الأوروبي يتجاوز هذا الرقم 60 بالمئة في المتوسط)، هذا ما أكدته الباحثة في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية فلورانس غوب في دراسة بعنوان "السوق العربية المشتركة: مقاتلون وأسلحة وايديولوجيات".

آفة السلاح

منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليست مقرا لأكبر الدول المنفقة على الأسلحة فحسب، بل هي أيضا موقع ضخم للتجارة في الأسلحة المحظورة، وهو وضع موجود منذ ما قبل 2011، لكن العنف الدائر في سوريا وليبيا والعراق واليمن زاد في تدفق الأسلحة وأدى إلى نمو كبير في “السوق”.

وتؤكد الدراسات أن هناك سببين اثنين لهذا الواقع: الحكومات المحلية العاجزة عن تأمين ترساناتها الخاصة بها أو الحد من التجارة الممنوعة داخل أراضيها، والدول الراعية في الخارج التي تقوم بتسليم الأسلحة للمجموعات المتمردة.

ولعل أبرز مثال على ذلك هو ليبيا على إثر سقوط نظام معمر القذافي حيث تم الاستيلاء على معظم أسلحة البلاد غير المؤمّنة، سواء من قبل الميليشيات التي استعملتها داخل البلاد أو المهربين الذين سعوا لتصديرها. ونتيجة لذلك توجد ما بين 10 و15 مليون قطعة سلاح خفيفة غمرت السوق السوداء الليبية، وفي آخر المطاف انتهت في أربعة عشر بلدا آخر على الأقل.

وقد حجز الجيش المصري بداية سنة 2013 على الأقل 8 آلاف بندقية والمئات من الصواريخ و400 ألف طلقة من الذخيرة المضادة للطائرات. لكن بالرغم من الجهود التي تقوم بها الحكومات في المنطقة نمت التجارة الممنوعة منذ ذلك الوقت نظرا لتطوير المهربين للتقنيات المعتمدة. وقد صنعت معظم هذه المخازن من الأسلحة في الاتحاد السوفييتي واستوردتها ليبيا قبل سنة 1992. وبالرغم من أنها تكونت في معظمها من رشاشات آلية، فقد انتشرت بسرعة عبر موردين من خارج الدولة. أما عن الدول الراعية لإدخال السلاح إلى داخل مناطق النزاع العربية، فهي الأخرى مسؤولة عن تزايد القوة النارية للمتنازعين داخل دول الحروب (ليبيا، سوريا، العراق، لبنان). فقد قامت كل من إيران وسوريا بتسليح حزب الله في لبنان على مدى عقود، لكن طهران وسّعت الآن هذا الدعم ليشمل الحوثيين في اليمن أيضا، وفي ربيع هذا العام حجزت السفن الحربية الأميركية ثلاث سفن على الأقل في الخليج محملة بأسلحة خفيفة، وزيادة على ذلك تمكن الحوثيون من السطو على عدة مخازن عسكرية تابعة للجيش اليمني ومن ثم تدعيم ترسانتهم بالمدفعية الثقيلة.

كما التحقت قطر بصفوف الدول الراعية عبر تسليم الأسلحة في كل من سوريا وليبيا. ويزعم أن أسلحة موجهة مضادة للدبابات وصلت المتمردين في كلا البلدين من الصين عن طريق الدوحة، في حين تتهم مصر والإمارات العربية المتحدة أيضا بتسليم أسلحة (مثل المركبات المصفحة) إلى ليبيا في السنتين الماضيتين في خرق لحظر على الأسلحة يرجع إلى سنة 2011.

منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موقع ضخم للتجارة في الأسلحة المحظورة وتنقل العناصر الإرهابية

انسيابية المقاتلين

ليست الأسلحة والذخيرة هي وحدها التي تنتقل دون قيود، إلى حد ما، في كامل أنحاء المنطقة، كذلك يفعل المقاتلون وضحاياهم المدنيون أيضا. لقد لعب المقاتلون العرب أدوارا حاسمة على مسرح الصراعات الإقليمية مثل العراق في السنوات التي تلت الغزو الأميركي وكذلك منطقة الساحل الأفريقي، ومؤخرا سوريا. وقد تأسس تنظيم القاعدة في العراق في المنطقة على يد الأردني أبي مصعب الزرقاوي، وكان مقاتلوه الأجانب بالأساس عربا قادمين من مصر وسوريا والسودان والسعودية.

ولدى القاعدة في المغرب الإسلامي أفراد من الجزائر والمغرب، في حين أن القاعدة في جزيرة العرب عبارة عن مشروع اندمج فيه إرهابيون يمنيون وسعوديون، أما في سوريا فقد وصل المقاتلون العرب لأول مرة في الأيام الأولى من نشوب الصراع كمتطوعين يحملون في البداية أجندا تحررية وليست إسلامية. وأحد الأمثلة على ذلك هو مهدي الحراتي، قائد ميليشيا ليبية سافر إلى سوريا للمساعدة في إحداث مجموعات مسلحة شبيهة.

لكن عدد المقاتلين العرب المسافرين إلى سوريا ازداد مع إعلان داعش عن “دولة الخلافة” في صيف 2014. وبدأ العرب في التوافد بأعداد كبيرة على مجموعات لها ارتباطات إسلامية واضحة مثل داعش أو جبهة النصرة، تلك المجموعة الأصغر والمنتمية للقاعدة. يعد المقاتلون العرب (باستثناء السوريين والعراقيين) حاليا الجزء الأكبر من المقاتلين الأجانب بشكل كبير ويقدر عددهم بـ16000 رجل.

ومقارنة بالبلدان الأوروبية بعثت أغلب الدول العربية عددا أكبر من الأشخاص سواء بقياس مطلق أو نسبي. وتأتي أكبر المساهمات من تونس (6500) والسعودية (2500) والأردن (2250) والمغرب (1350)، لكن أعدادا أصغر (تتراوح بين 800 و900 شخص) تأتي من لبنان ومصر وليبيا. وإذا نظرنا إلى المسألة من الناحية التناسبية تدعو الصورة إلى المزيد من القلق؛ بينما لم يتطوع للقتال في داعش إلا 1 من 104.000 مواطن أوروبي، يصل هذا العدد بالنسبة إلى المواطنين العرب إلى 1 من 18.750. بالنسبة إلى بعض البلدان الأرقام النسبية أعلى بكثير؛ 1 من كل 1830 تونسيا، و1 من كل 2600 أردني، و1 من كل 11600 سعودي لبوا نداء داعش.

لاجئون سوريون في انتظار المساعدات التي أقرتها الأمم المتحدة ومنظمة الهجرة الدولية، الخميس، بعد شهر ونصف الشهر من إعلان منطقة الركبان منطقة عسكرية مغلقة بعد هجوم إرهابي استهدفها.

منذ انطلاق الحملة الدولية ضد داعش في سنة 2014 هناك تدفق عكسي واضح لهؤلاء المقاتلين، وخاصة نحو تونس وليبيا. هذان البلدان الغارقان في أزمات خاصة بهما يواجهان حاليا احتمال عودة الشباب المتطرف والمتدرب على المعارك. مثلا تنظيم داعش في ليبيا أطلقه 300 محارب سابق في سوريا في سنة 2014، أغلبهم ليبيون لكن تحت قيادة قائد عراقي (عوضه سعودي إثر وفاته)، وحاليا نصف أفراده البالغ عددهم 6500 هم أفراد ليبيون بينما البقية من بلدان عربية أخرى.

شنغن النازحين

أكدت فلورانس غوب أنه مثلما يتنقل المقاتلون بحرية (عبر استخدام مسالك التهريب والمسؤولين الفاسدين في الموانئ والوثائق المدلسة) كذلك يفعل الناس الفارون منهم. فمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي المنطقة التي تضم أكبر عدد من اللاجئين والأشخاص النازحين داخليا في العالم، وفي سنة 2015 تسببت الصراعات في سوريا والعراق واليمن لوحدها في أكثر من نصف الأشخاص النازحين داخليا والبالغ عددهم 8.6 مليون شخص.

وربما الأسوأ من ذلك كون المواطنين النازحين هم خاصية ثابتة للمنطقة حيث عاش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان والأردن وسوريا لأكثر من نصف قرن ويتجاوز عددهم السبعة ملايين في الجملة.

لكن غزو العراق في سنة 2003 والعنف المترتب عليه أحدثا كذلك موجة كبيرة من اللاجئين في المنطقة، إذ فر أكثر من 1.2 مليون شخص إلى سوريا و700 ألف إلى الأردن و1.7 مليون نزحوا داخل البلاد. كما فر 150 ألف عراقي إلى مصر و40 ألفا إلى لبنان.

وتسببت الحرب السورية في نزوح أغلب اللاجئين العراقيين في سوريا مرة ثانية، وهذه الحرب خلقت أكبر أزمة لجوء في المنطقة إلى حدود هذا التاريخ. فأكثر من نصف سكان سوريا البالغ عددهم 22 مليون نسمة أجبروا على ترك منازلهم أو مغادرة البلاد مرة واحدة، منهم 620 ألفا في الأردن، ومليون في تركيا، وأكثر من 1.1 مليون في لبنان، ذلك البلد الصغير.

إضافة إلى ذلك هناك 6.5 مليون سوري نازح داخلي. وكذلك تسببت الحرب في اليمن في نزوح قرابة 2.2 مليون شخص، وفر معظمهم إلى البلدان المجاورة. وفي الأثناء أدت حرب 2011 في ليبيا إلى نزوح قرابة 700 ألف شخص، ثم عاد أغلبهم ليعانوا من تجدد أعمال العنف.

فلورانس غوب: كسر منظومة شنغن للصراعات يتطلب إحداث فضاء عربي حقيقي

إن ما يجعل حقا منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فضاء صراع موحد هو الشعور بالمصير المشترك بالاعتماد على الاشتراك في اللغة والثقافة اللتين تتجاوزان حدود الدولة.

هذا هو الشعور الذي اعتمدت عليه كل الأيديولوجيات الشعبية في المنطقة على مدى القرن الماضي، فسواء كان الأمر يتعلق بالقومية العربية في الخمسينات والستينات أو الأمة الإسلامية في الحاضر، لم تتمكن أي فكرة سياسية في المنطقة من كسب الزخم دون استمالة مجموعة سكانية تتجاوز الحدود الوطنية. لكن بتخلي الدول العربية عن الفضاء السياسي العابر للحدود الوطنية، أصبح امتلاك هذا الشعور بمصير مشترك عرضة للانتزاع.

وفي الوقت نفسه احتكرت الأنظمة الفضاء السياسي داخل البلدان العربية، فسواء في ليبيا في ظل حكم القذافي أو سوريا في ظل حكم الأسد، أصبحت القومية مرادفا للنظام ولم تترك مساحة تذكر لبقية الأيديولوجيات. ومن أجل كسب القوة والشرعية انتقلت التنظيمات إلى ما وراء حدود الدولة وأثارت مشاعر الانتماء العربي أو الإسلامي.

الإخوان المسلمون المعتمدون لسياسة المراحل أو داعش والقاعدة “الثوريان” تنظيمات سعت كلها إلى إقامة فروع لها خارج أراضيها الأصلية. مثلا لا يقتصر الإخوان المسلمون على منافذ في أغلب البلدان العربية، بل هم أيضا يمسكون بالسلطة في شكل حماس في قطاع غزة والنهضة في تونس. ولدى القاعدة على الأقل أربعة فروع إقليمية، وأعلن داعش عن عدة ولايات في مصر وليبيا والعربية السعودية، إضافة إلى أراضيه الأساسية في سوريا والعراق.

إن المنطقة العربية شبيهة فعلا بالاتحاد الأوروبي، لكنها انعكاس سلبي له. فمن المغرب إلى العراق يترابط المقاتلون والأسلحة والأيديولوجيات والناس الفارون منهم نظرا لأنهم يعبرون الحدود القانونية بكل حرية. وبذلك المعنى تمثل الصراعات ما تمثله الأعمال التجارية بالنسبة إلى أوروبا، فهي تتنقل بحرية في كامل أنحاء المنطقة وتدعم بعضها البعض وتتضاعف.

وما يزيد في البرهنة على ذلك هو أن أغلب الصراعات اليوم هي إرث للصراعات السياسية السابقة. فقد كانت الحرب الأهلية اللبنانية، في جزء منها على الأقل، نتيجة للحرب مع إسرائيل. وترتبط الحرب اليمنية اليوم بفشل عمليات محاربة أعمال التمرد في أوائل الألفيتان أو حتى حرب 1962.

أما العنف الجاري في العراق وظهور داعش فمرتبطان بغزو سنة 2003 التي هي الأخرى مرتبطة بغزو الكويت سنة 1990. ويرتبط العنف الدائر في سيناء المصرية بإزاحة الرئيس مرسي، والعنف في ليبيا مرتبط بحرب 2011 وما عقبها. وحتى الأزمتان السياسيتان في الجزائر ولبنان هما إرث الصراعات العنيفة التي جرت في التسعينات.

إن كسر منظومة “شنغان للصراعات” هذه سيتطلب إحداث فضاء عربي حقيقي من أجل تعزيز التعاون والصمود، فضاء تتصدى فيه الدول للصراعات بشكل مشترك وتسدي الخدمات والرفاه ووظائف العمل، وفي النهاية توفر فضاء يمكن للناس فيه التنقل بحرية قانونيا.

6