الـ"ضاما" تطرد ملل المتقاعدين في المغرب

يعاني المتقاعدون في المغرب من أوقات الفراغ القاتلة، لذلك ينشئ أغلبهم صداقات جديدة لممارسة بعض الهوايات كلعب الـ”ضامة” التي تعد اللعبة الشعبية الأولى بين كبار السن الذين يجتمعون خلال النهار ليتنافسوا في هذه اللعبة في أجواء من المزاح الذي يبدأ بتوعد اللاعبين لبعضهم بالهزيمة النكراء وتكون خاتمته الخاسر في اللعبة والذي يظل يترقب فرصة الغد للثأر من خصمه.
الجمعة 2016/04/08
بيدق الفوز

الرباط- لعبة ضَامَا، التي هي في الأصل اللغوي ضَامَّة، بما تضمه من لاعبين، وتجمعهم حول رقعتها للتباري الذهني والتفكير في الانفلات بالبيدق نحو أعلى الرقعة حيث يزيح اللاعب بيادق الخصم التي يجدها في طريقه .. إنها لعبة شعبية تشبه الشطرنج من حيث رقعته، لكنها لا تشبهه في قطع لعبه، من ملك وفيل ووزير وحصان .. فالـ“ضاما” تلتقي مع الشطرنج في البيدق وحده، الذي يحمله المغاربة المتقاعدون، المحالون على المعاش، في جيوب جلابيبهم للترفيه عن نفوسهم، و”قتل الوقت”، كما يحلو لعلال التعبير.

يتأبط علال المزابي قطعة لوحه الخشبي المقوى، مربعة الشكل، التي يصفها لمجالسيه المتبارين معه بـ”أم الـ12 ولدا” لا يقدر هو التفريط في واحد “منهم”، في إشارة إلى بيادقها الإثني عشر، التي يتم اللعب بها على رقعة خشبية أو كرتونية أو حتى مرسومة بالطباشير على الأرض مباشرة، فهي لعبة لا تحتاج إلى الكثير من الأدوات، كما يقول علال، المتقاعد، المحال على المعاش من إدارة المكتب الشريف للفوسفات بمدينة اليوسفية المتاخمة لإقليم آسفي جنوب غرب الدار البيضاء في المملكة المغربية.

وفور وصوله إلى مكان الدكة الأسمنتية المجاورة لمحطة سيارات الأجرة، يجد علال أصدقاءه المتقاعدين، سلام، بوعزة والشاوي، جالسين حول براد شاي منعنع أعده لهم المعطي القهواجي، الذي لا يتوانى عن تشجيع المتبارين على الفوز، لأن الخاسر منهم في “طرح ضاما” هو الذي سيدفع ثمن براد الشاي، والخير بالنسبة إلى نادل المقهى في الخسارة، لأن الخاسرين هم الذين سيدفعون ثمن براريد الشاي.

الخاسر من المتباريان في "طرح ضاما" هو الذي سيدفع ثمن براد الشاي، والخير بالنسبة إلى نادل المقهى في قبض ثمن المشروب

يكشف علال عن قطعة لوحه المرسومة عليها مربعات موحدة الشكل، المصبوغة بلونين لا ثالث لهما، الأسود والبني، ومن جيب جلبابه البني أيضا يخرج كيسا صغيرا فيه مجموعة سدادات قناني المشروبات الغازية، وهي الأخرى باللونين البنفسجي الفاتح والأحمر.

يهيئ علال نفسه ثم يجلس القرفصاء بين سلام والشاوي، مستفزا بوعزة بقوله “يا رب هات لنا مبتدئ في اللعبة يسقينا شاي هذا اليوم”، فلا يرضى بوعزة باستفزاز علال له فيرد عليه “اليوم أعد لك مباراة تكون فيها مهزوما، وأرسلك لبيتك مستعجلا من الغضب”، يُهَمهمُ علال مبتسما بسخرية ويرتب طاقيته على رأسه، فيشمر بوعزة عن ساعديه طالبا الإسراع في اللعب، بينما ينادي الشاوي على بائع الشاي طالبا إبريقا كبيرا من الشاي المنعنع، ثم يبدأ التباري، مرة يسود الصمت، ومرات تخرج كلمات الاستفزاز المحرضة على اللعب.

ويشرح علال لـ”العرب” طقوس لعبة “الضاما” بمدينة اليوسفية المغربية، قائلا “عندما يستطيع الخصم الطلوع ببيدقه إلى منطقة ‘الضيم’ بأعلى الرقعة جهة اليمين أو اليسار، وذلك لا يكون إلا بعد الإطاحة ببيادق الخصم التي تكون حائلا في الطريق نحو أعلى الرقعة، كما لا يكون إلا بذكاء لاعبه، يتم الاستقرار ويبدأ الانتصار الموعود في الظهور”. اللعبة هي المتنفس السهل بالنسبة لعدد لا يستهان به من المتقاعدين في المغرب الذين يعانون طوال اليوم من الفراغ.

أما عن دور “ضاما” في الحياة اليومية لعلال وغيره من المولعين بها، وهم كثر في المناطق المغربية، فيتمثل في ما يخلقه من أجواء ضحك وتراشق المتبارين بالكلمات المضحكة في أغلبها، ثم هي لعبة يعتمد الانتصار فيها على مدى تركيز المتباري وذكائه وحده، كما يقول علال “إنها لعبة تنسينا الهموم اليومية التي نعيشها على المستوى الاقتصادي والسياسي”، ويتابع معلقا “إنها بالنسبة إلي لعبة ألوذ إليها لتمنحني الراحة والسعادة، على الأقل خلال ممارستي إياها، إنها تجمع المتقاعدين، المحالين على المعاش، لساعات طوال تنسيهم زحمة الحياة ورتابتها”.

20