الـ"كالينطي" عصيدة أهل الشمال المغربي في أيام الشتاء الباردة

المطبخ وجه من وجوه ثقافة الشعوب ودليل التقائها وتلاقح حضارتها أيضا، فالـ”كالينطي” طبق يهودي قادم من أوروبا، لكنه أصبح بهوية مغربية أكلة شعبية تنتشر في شمال المغرب.
الثلاثاء 2016/01/19
لذيذ وساخن

الرباط- تشتهر مناطق شمال المملكة المغربية بأكلة شعبية يطلق عليها السكان المحليون اسم “كالينطي” يقبلون عليها في أيام الشتاء الباردة.

والـ”كالينطي”، تسمية أسبانية تعني ساخن، وأصبحت تطلق على هذه الأكلة الشعبية، بحكم أن من يبيعها كان يردد عبارة تفيد بأنها ساخنة دائما.

ويتم إعداد أكلة الكالينطي أساسا من دقيق الحمص، بعد مزجه بالزيت والماء، وهي أكلة أدخلها إلى طنجة يهود أوروبا ممن فروا من بطش هتلر، الذين اختاروا الاستقرار في عروس الشمال منذ بدايات القرن الماضي، ونقلوا معهم هذه الأكلة التي تعلمها منهم الأسبان وصاروا يبيعونها في الدكاكين وعلى العربات الخشبية.

وتحظى الأكلة بشعبية كبيرة، في مدن الشمال المغربي وشرقه، بطنجة وتطوان، العرائش وجدة والناظور، بفضل لذة طعمها وتكلفتها المتواضعة.

العم عبدالقادر يتفحص جودة الحمص بتقليبه داخل كيسه المركون بين أكياس المؤن في متجر محماد السوسي وسط أحد أحياء مدينة طنجة العتيقة، فالرجل أحرص ما يكون، ومنذ مدة تجاوزت الأربعين عاما، على ألا يقدم لمرتادي دكانه المخصص لبيع الـ”كالينطي” إلا الأجود.

بعد إشراف العم عبدالقادر وابنه عبدالسلام، بمساعدة زوجته منانة، على تنقية الحمص من الزوائد، وغسله وتجفيفه وتسخينه، ثم طحنه وغربلته لاستخراج الدقيق الناعم منه، يقوم عبدالسلام بإحضار “الجفنة”، وهي آنية كبيرة من معدن النحاس أو الآليمنيوم، مقعرة، شكلها مثل السطل لكنها أوسع منه، وبعد قيام زوجة الإبن منانة، بتنظيف الآنية، يُبسمل العم عبدالقادر، ثم يبدأ بتفريغ دقيق الحمص وسط “الجفنة” ثم يصب فوقها مقدارا من الزيت، ويقوم بتكسير كمية من البيض عليها، وبعد ذلك يرش الخليط بالفلفل الأسود، ثم يشرع في مزج الخليط جيدا، وتقليبه عدة مرات، حتى يستوي فيغدو زبديا مائعا سهل التمدد في الصحون.

الكالينطي تتميز بلذة طعمها وتكلفتها المتواضعة

وتصف حفيظة، التي أضحت اليوم مسؤولة بإحدى كبريات مخابز مدينة طنجة لـ”العرب”، أنها كانت تتسلل إلى دار العم عبدالقادر لتراه هو وابنه وزوجة ابنه وهم يعملون بجدية لتحضير الـ”كالينطي”، وأنهم كانوا بعد إعدادهم الخلطة، وجعلها شبيهة بالحساء الثقيل ذات اللون الأصفر، يقوم عبدالسلام بإحضار “اللاطة”، و”الطاوة”، وهما آنيتان، عبارة عن صحون، يشكلان قوالب يتم صب الخليط فيها وتمديده حتى يتشكل دائريا بعد الطهي.

تقول حفيظة “لقد كان العم عبدالقادر يمنعني من الاقتراب منه حين قيامه بتحضير الـ”كالينطي” خوفا عليه من “التلويث” كما كان يحلو للعم قوله. إن الـ”كالينطي” بالنسبة إلى العم عبدالقادر، له حضارة وتاريخ في الطعام الأسباني، اليهودي، الذي وصل إلى شمال المغرب مع اليهود المهاجرين الذين تم ترحيلهم بعد خروج العرب من الفردوس المفقود، الأندلس، لذلك كان العم عبدالقادر يحرص على احترامه إلى درجة التقديس، فهو بالنسبة إليه أكلة الفقراء التي لا تتطلب المال الكثير، فثمن الشطيرة لا يتعدى درهما مغربيا واحدا.

لقد كانت حفيظة، ومنانة زوجة عبدالسلام، تحملان “طاوات” الكالينطي إلى الفرن التقليدي لطهيه في درجة حرارة هادئة حتى يتشكل ويتنسم برائحة الحطب التي كانت تضفي على طعمه رائحة شهية، هذا قبل أن يقوم عبدالسلام الإبن بشراء فرن غازي أضحى اليوم يعد به الكالينطي في البيت في ظروف جيدة وهادئة، لقد كان المارة يشتمون رائحته التي تفوح في الطريق الذي تمر منه حفيظة ومنانة. وتعلق حفيظة “لقد كان الـكالينطي، وما يزال، أكلتنا المفضلة في أيام البرد، وحتى في الصيف، نحن سكان الشمال المغربي، مثل عصيدة الذرة عند أهل الجنوب”.

20