الـ"مبيت" في الخليج يتخلى عن حفظ نفائس العروس وأسرارها

أمام التجهيزات الإلكترونية والديكورات المعاصرة التي تملأ البيوت وتجعلها بلا روح، يسعى الخليجيون إلى إعطاء نفس تراثي يشدهم إلى البيت القديم وماضي الأجداد من خلال اختيار مصنوعات تقليدية تضفي طابعا منفردا على مسكنهم.
الجمعة 2016/04/29
حرفة يتوارثها الصغار عن الكبار

الرياض- يعد صندوق الـ“مبيت” تراثا خليجيا، وهو عبارة عن تحفة خشبية فنية لا يكاد يخلو بيت منها، فقد كانت أغلب النساء الخليجيات يحتفظن بهذا الصندوق لحفظ الملابس والذهب والأوراق المهمة فيه وخاصة ملابس العروس، إذ كان بمثابة خزانة وصندوق أسرار جلبه البحارة والتجار أول مرة من الهند، وفي الوقت الحالي يقوم حرفيون خليجيون بصناعته ببراعة ويحافظ عليه جيل من الشباب من الاندثار.

ويسمّي أهل الخليج في البحرين وقطر والسعودية والكويت الصندوق بـ“المبيت”، بينما يعرف في الإمارات وعمان باسم “مندوس”، رغم أنه نفس الصندوق وقد صنع لذات الأغراض.

ويقول أحد الحرفيين الذي لا يزال يتعلق بصناعة ونقش هذه الصناديق في السعودية، إن “المبيت يثبّت على أربع قوائم خشبية أسطوانية الشكل صلبة وصغيرة، وهي بمثابة الأرجل الأربع للصندوق يمكن تحريكها، فيما توجد فجوة عازلة بين الأرض وأسفل الصندوق لكي تمنع عنه تسرب الرطوبة إلى جوف الخشب”.

وأضاف أن صناديق المبيت تشبه اليوم ما يعرف بـ“القاصة” أو الخزنة الحديدية، وكان يتم اقتناؤها في ما مضى من قبل علية القوم الذين يخصصون أماكن لها في بيوتهم لحفظ الملابس وتخزين المصنوعات الذهبية وغيرها من المقتنيات الثمينة مثل الأموال والوثائق والمستندات الرسمية. وتستعمل لها أقفال محكمة حرصا على الموجودات بداخلها وحفاظا عليها من الضياع أو السرقة، وهي تمتاز بثقل وزنها.

صندوق يتحول إلى قطعة ديكور تزين البيت

وحول سبب تسميته بالمبيت يقول أحد شيوخ الحرفة في البحرين، إنه يحوي ملابس وحليا وعطورا وبخورا وحاجيات العروس، ويوضع في بيت الزوجية التي ستنتقل إليه ليلة ما قبل الزفاف، فسمّي بهذا الاسم كونه يبيت في المنزل قبلها، ثم يسلم لها في اليوم التالي من الزفاف.

ويصنع الصندوق المبيت من خشب الساج أو السيسم، وهي من أنواع الخشب الجيدة المقاومة للتلف لمدة طويلة، وتميل ألوان الخشب من البني إلى البني المائل للسواد.

ويقول الحرفي رضا، وهو شاب تعلم الحرفة عن عائلته، “يصنع الصندوق من نوعين من الخشب، فإما من خشب السيسم أو خشب الصاج، وهو يجلب من الهند أو أفريقيا”.

وتتجسد دقة الصانع ومهارته في النقوش التي يقوم بها على رقائق المعدن الأصفر التي يطعم بها الصندوق من جميع الجهات ما عدا الجهة الخلفية، ويبرز اللون اللامع للخشب المدهون بزيت السمسم غالبا جمال النقوش والإبداع فيها.

وتحتاج صناعته إلى رسوم هندسية وتتطلب صبرا وعملا دقيقا من النجار الذين يقومون بصناعته، فزخرفة الصندوق بالمسامير والنحاس تأخذ وقتا وجهدا مضاعفين، حيث تستغرق صناعة الصندوق الصغير أربعة أيام في حين تأخذ صناعة الكبير منه سبعة أيام.

وتتطلب زخرفة الصندوق الصغير نحو 2600 مسمار في حين يستهلك الصندوق الكبير نحو 4400 مسمار، وهذه المسامير تجلب من ألمانيا بينما يستورد النحاس من الهند.

وإلى جانب الصندوق المبيت الذي يمتاز بنقوشه الكثيرة وحجمه الكبير، توجد أنواع أخرى من الصناديق مثل صندوق “الغتم” الذي يتميز بقلة زخارفه ونقوشه، وهو ذو سطح أملس ويستخدم لحفظ أدوات المطبخ والمواد الغذائية والملابس، وصندوق “بوحبال” وهو ملفوف بحبال متينة ويستخدم للسفر، و”البشتخته” وهو صندوق صغير يستخدم عادة من قبل النواخذة والطواويش لحفظ اللؤلؤ بحسب أحجامها ونوعياتها، كما تحفظ فيه الوثائق والمستندات الرسمية الخاصة.

حرفيون يحفظون التحفة الخشبية من الاندثار

ورغم أن العرائس توقفن عن إدراج صندوق المبيت ضمن طقوس الزواج، إذ لم تعد له ضرورة وظيفية، إلا أن الصندوق لم يندثر من البيوت الخليجية وتحول إلى قطعة ديكور، حيث عمد الكثير إلى الاحتفاظ بهذا الموروث بوضعه زينة في البيوت أو استخدامه أكثر كطاولة.

ولا يزال حرفيون رغم قلتهم في كل دول الخليج يحافظون على الصناعة التراثية للصندوق، حيث يقول الحرفي عبدالعزيز، “إن هذا الموروث الخليجي جزء لا يتجزأ من تراثنا، وبرع فيه أجدادنا، لهذا قمت بفتح هذا المحل منذ 37 سنة للحفاظ عـلى الحرفة التي كنت قد تعلمتها من الوالد، وبـما أني أحب التواصل مع الزبائن، اخترت هذه الحرفة لأنها تجعلني أتواصل مـع كبار السـن مـن الزبائن خاصة، الذين يعرفون جيدا المحل، كـما أنني حافظـت على شكلـه القديم”.

ولا يزال كثيرون من الخليجيين يقبلون على شراء صندوق المبيت إلى جانب بعض قطع الأثاث والمرايا التي صنعت بنفس روح ونقوش الصناديق، حيث اتجه الحرفيون اليوم إلى إعطاء أشكال جديدة لهذه التحفة وأفكار أخرى تتعلق بالديكور كصناعة طاولة على شكل صندوق يحتوي على باب لتخزين المال، أو صندوق يأخذ شكل سفينة ويعكس عشق الخليجيين للبحر.

ويقول البحريني محمد سعيد الذي اشترى صندوق المبيت، إن هذه التحفة تكاد لا تخلو من كل بيت فقد كانت بمثابة صندوق سحري، مؤكدا أن الصندوق لم يندثر ولكنه أخذ أشكالا أخرى، وهذا ليس تهديدا لزوال هذا التراث وإنما هو يعطي لعشاق الديكور فرصة اختيار الشكل الذي يرونه مناسبا لبيوتهم.

20