الـ "باشا بوش".. بنات أفغانستان المخفيات في أزياء البنين

ينتشر تقليد الـ”باشا بوش”، ويعني باللغة الدرية الأفغانية “اللباس كولد”، في الكثير من الأسر الأفغانية التي لم تنجب أبناء ذكورا وذلك تحاشيا لنظرة المجتمع ووصمة العار التي تحاصرها بسبب عدم إنجاب الذكور، حيثُ تقوم بتحويل إحدى الفتيات لتكون “باشا بوش”، وترتدي ملابس الذكور وتتصرف مثلهم وتذهب إلى المدرسة والعمل وتشارك الرجال الأماكن العامة.
السبت 2016/12/03
ابن مزيَّف أفضل من لا شيء

كابول – في كتابها “بنات أفغانستان المخفيات”، سلطت الكاتبة السويدية جيني نوردبيرغ الضوء على تقليد الـ“باشا بوش” في المجتمع الأفغاني المحافظ، حيث يخفي بعض الآباء والأمهات المحرومين من الأبناء الذكور بناتهم الإناث من خلال إلباسهن أزياء ذكورية، ورغم الفصل الصارم بين الجنسين يوجد تسامح في ذلك ويُعتَبَر من الشجاعة، بل وقد يمنح رجالُ دين الفتيات عند ولادتهن أسماء ذكور، حسب تقرير نشره موقع قنطرة الإلكتروني.

وقال التقرير إنه عندما زارت الصحافية جيني صديقتها أزيتا، وهي نائبة في البرلمان الأفغاني، في بيتها قبل بضعة أعوام، لم تكن تستطيع تصديق عينيها، حيث قدَّمت أزيتا واحدةً من بناتها الأربع لها كمولود ذكر، كما لو أنَّ الأمر طبيعي، وكانت الفتاة ترتدي ملابس صبيان وتتصرَّف على عكس شقيقاتها الثلاث، كذكر تمامًا وبكل ثقة في النفس. وكانت هذه الفتاة “باشا بوش”، مثلما اكتشفت ذلك نوردبيرغ في وقت لاحق.

وأضاف أن نوردبيرغ قرَّرت دراسة هذه الظاهرة بنفسها وأدَّت أبحاثها في الفترة بين عامي 2010 و2012 إلى إعدادها كتاب “فتيات كابول تحت الأرض”، صدرت ترجمته باللغة الألمانية تحت عنوان “بنات أفغانستان المخفيات”. واكتشفت نوردبيرغ بعد زيارة عائلات أفغانية في جميع أنحاء البلاد، وإجراء مقابلات مع ربَّات بيوت وكذلك مع طبيبات وسياسيات، أنَّ الـ“باشا بوش” تقليد موجود في جميع أنحاء أفغانستان وأنَّ كل أفغاني يعرف فعليا حالة مثل هذه الحالات سواء ضمن نطاق الأسرة أو ضمن الأصدقاء.

وبينت نوردبيرغ في كتابها أنه يمكن العثور على جذور هذه العادة في المجتمع الأفغاني الخاضع لهيمنة الرجال، إذ لا بدَّ من أن يكون لدى أي أسرة ابن واحد على الأقل من أجل سمعتها. وذلك لأنَّ الأسرة في أفغانستان تعتبر ضعيفة وعرضة للخطر إذا لم يكن لديها أبناء ذكور. وبالتالي فإنَّ المرأة التي لا تنجب أبناء ذكورا يُنظر إليها باستنكار، إلى درجة أنَّ الرجل من غير الأبناء الذكور يفقد ماء وجهه.

وأوضحت أنه نظرا إلى أن الممتلكات مثل العقارات والأراضي يتم توريثها في أفغانستان عن طريق الأبناء الذكور، فإنَّ الرجل غير المنجب لأبناء ذكور يغامر بثروة أسرته. وعندما لا يعد بإمكان الأم أن تلد أي مولود ذكر بعد ولادتها عدد من البنات، يتم ببساطة جعل إحدى الفتيات فتى، وذلك بحسب شعار: ابن مزيَّف أفضل من لا شيء.

وبالإضافة إلى ذلك يسود لدى البعض من فئات المجتمع اعتقادٌ بأنَّ وجود الـ“باشا بوش” في الأسرة يساعد على جلب الحظّ لإنجاب الابن؛ إذ يعتقد الناس أن من يشاهد كل يوم أمام عينيه ابنا مزيفا من الممكن أن ينجب عن قريب ابنا حقيقيا. كذلك يسعى آباء آخرون من خلال تبديل الأدوار إلى تمكين بناتهم من حياة عادةً ما تكون حكرًا على الأبناء الذكور فقط، مثل: وجودهن من دون أي قلق خارج البيت، ومن دون ضغط ناجم عن قواعد السلوك المعقدة، التي تثقل فعلا في أفغانستان كاهل الفتيات الصغيرات.

الـ"باشا بوش" تقليد اجتماعي يتحول إلى صراع نفسي وجسدي تعيشه الفتاة في أفغانستان خضوعا للعادات والتقاليد

ويتم تسجيل بعض الفتيات بالفعل عند ولادتهن كأبناء، وكذلك يتم تحويل فتيات أخريات في وقت لاحق إلى أبناء. ومع سنّ البلوغ تتم “إعادة التحويل” إلى فتاة. ويمثل تقليد الـ“باشا بوش” أيضا شكلا من أشكال التمرُّد على القواعد المتشددة في المجتمع الأفغاني.

وعلى الرغم من الفصل الصارم بين الجنسين فإن هناك تسامحًا مع هذه الممارسة في المجتمع الأفغاني، وكثيرًا ما يتم حتى تأييدها باعتبارها خطوة شجاعة؛ على سبيل المثال توجد تقارير حول رجال دين يمنحون الفتيات عند ولادتهن ببساطة أسماء ذكور. وفي هذا الصدد يرد في كتاب جيني نوردبيرغ اقتباس من الباحثة الأفغانية المشهورة نانسي دوبري يوضِّح ذلك: “التمييز يخلق الإبداع”.

كما كشفت التقارير الصغيرة الواردة في هذا الكتاب مدى تنوُّع ظاهرة الـ“باشا بوش”، على سبيل المثال في الفصل السادس من كتابها تأخذ المؤلفة القارئ إلى عائلة بشتونية، تعيش في حي فقير من ضواحي كابول. وهنا تعيش الصغيرة نعيمة حياة مزدوجة؛ في الصباح تذهب إلى المدرسة لساعتين مرتدية ثوبًا وحجابًا وبعد الظهر ترتدي ملابس صبي وتعمل مساعدًا في محل بقالة صغير. وذلك لأنَّ أداء مثل هذا العمل يعتبر أمرا مستحيلا اجتماعيا في الظروف الأخرى بالنسبة إلى المرأة البشتونية.

ولا يستمر هذا التغيير في حياة الفتيات إلى الأبد، فعندما تصل الفتاة إلى سن الـ17 أو الـ18 تعود إلى طبيعتها كأنثى، وتلتزم بالبقاء في البيت وترتدي البرقع وتستعد للزواج. وأكدت العديد من الفتيات اللاتي عشن هذه التجربة أن الرجوع لا يكون سهلا، وأوضحن أنهن كن يشعرن بحرية الخروج واللعب في أي وقت والذهاب إلى المدرسة والعمل، والقيام بجميع الأشياء المحرمة على الفتيات، وأصبحن يواجهن صعوبة في التخلي عن حريتهن وفي ممارسة مهام البيت اليومية كالطبخ والغسيل وتربية الأطفال.

ومن جهة أخرى أكدت تقارير أن الفتاة التي تعيش مدة سنوات في ثوب الـ“باشا بوش” تواجه العديد من الصعوبات في الاختلاط مع الفتيات مرة أخرى لأنها تعودت على التنشئة الاجتماعية مع الأولاد.

كما أكد علماء نفس أن الـ“باشا بوش” تقليد اجتماعي يتحول إلى صراع نفسي وجسدي تعيشه الفتاة في أفغانستان خضوعا للعادات والتقاليد، وقد يمنحها القليل من الحرية المشروطة في مجتمع محافظ، إلا أنه يسلبها أنوثتها ويفقدها هويتها، لأنه لا يعكس الهوية الحقيقية للطفلة وإنما يعكس رغبات الاَباء الذين يقدمون إمتيازات لا يمكن للفتيات الحصول عليها أبدا بهويتهن الحقيقية.

21