الـ"33" فيلم مكسيكي يثمن الإنسان فردا وجماعة

الإنسان ثمين جدا في فيلم الـ"33"، للمخرجة المكسيكية باتريسيا ريغن، سواء كان فردا أو جماعة، حيث يظهر الإنسان كما يجب عليه أن يكون إذ يحرص على حياة غيره وكأنها حياته، داخل ظلام المنجم المسدود أو خارجه، يتعلق بالأمل في محاولاته، ويضع ثقته في الآخر، ويرقب الغد الذي قد يأتي في عربة واحدة مع الخلاص.
الثلاثاء 2016/01/05
رهاب الأماكن المغلقة

أنطونيو بانديراس ينظم أمور رفاقه الاثنين والثلاثين المطمورين داخل جوف المنجم في فيلم الـ“33” للمخرجة المكسيكية باتريسيا ريغن، ويوزع عليهم المؤونة الشحيحة بالتساوي ويشحذ هممهم.

تقابله جولييت بينوش تتحرك مع الأقارب تحتج وتخاطب رودريغو سانطورو كمسؤول تدفعه إلى أن يتصرف، تصرّ على عدم التخلي عن أخيها كما يصرّ الأهالي الآخرون، ويثبتون أنّ القلوب بينها خيوط متشابكة وبعضها لبعض ينبض.

تدور أحداث الفيلم كما وقعت عام 2010، بيكوبيابو بصحراء التشيلي عندما انهار منجم سانخوسيه وشدّ أنظار العالم إلى عملية إنقاذ المنجميين الذين صمدوا لمدّة 69 يوما تحت الأرض، لكن بختم سينمائيّ ترتفع وتيرة الإحساس بما حدث للفت الأنظار إلى الأخطار المحدقة بالعمال في المناجم، الذين ينقبون عن مصادر ثراء لغيرهم وقد يدفعون أعمارهم رخيصة مقابل ذلك.

الباحثون عن لقمة العيش يخاطرون دون أن ينتبهوا إلى أنهم غير مؤمّنين بما يكفي، فلا يكتشفون ذلك إلاّ عندما تنزل الكارثة ويحاولون النجاة. ذلك ما حدث لبانديراس (ماريو) ورفاقه حين حاول الصعود بالسلم إلى الأعلى فوجده غير مكتمل، وعندما جرّب أحد زملائه الاتصال بالخارج اكتشف أنّ جهاز الاتصال لا يعمل، حتّى المؤونة من الغذاء والمشروبات كانت لا تكفي إلاّ لأيام قليلة.

الخطر المحدق بهم تمّ التعامل معه بحكمة وصبر وتعاون، وبعض مقاطع الفيلم الأجمل هي تلك التي جمعت الرفاق وهم يتقاسمون وجباتهم الضئيلة ويمازح بعضهم بعضا بشأن ذلك، فقد قالوا لزميلهم البوليفي مثلا “عندما نجوع نأكل البوليفي”، و“يقال إن للبوليفيين طعم الدجاج” وبدوا متفهمين لضرورة العدل في توزيع ما بينهم إلى أبعد حدّ واثقين في ماريو الذي كان مدير الوجبات، حتّى خلال العشاء الزهيد الأخير الذي اختلطت فيه الفانتازيا بالواقع لتلعب السينما لعبتها.

الزوجات، الأطفال، الآباء، الأمهات، الإخوة والأخوات رسموا كلهم في الصحراء خارج المنجم طبيعة حياة الإنسان الاجتماعية وحقيقة أنّ كل فرد في الأسرة قطعة ضرورية لاكتمال الكل.

غنّت جيسيكا (كوتي دي بابلو) بصوت شجيّ دامعة “شكرا للحياة” هي الحامل والممزقة قلقا على زوجها أليكس (ماريو كاساس) الذي لم يعد يهمه جنس المولود بقدر ما اشتعل شوقا للعودة إلى الدفء الأسريّ.

لم تهدأ ماريا سيغوبيا (جولييت بينوش) رغم تجاهل أخيها المدمن على الكحول لها وارتباك علاقتهما ببعضهما. الحبّ لا يتردّد في الظرف الصعب، يستقطر أخلص ما في القلب البشريّ من نبل ووفاء ويظهر لتشدّ اليد اليد وتمسح شجاعة تجمّعت دموع نفس انهارت قواها.

رغم أن عددا لا يستهان به من المساهمين في العمل ناطق بالأسبانية ولكون المخرجة من أصول مكسيكية والأحداث جرت في التشيلي، فإنّ الـ“33” جاء باللغة الإنكليزية، ومع ذلك فإنّ الأمر لم ينتقص من رونقه وقوّته كثيرا، وقد بدا واضحا أن حضور الممثلين متعددي الجنسيات الذين تألقوا في أدوارهم أحال الجدل حول اللغة إلى الهامش، ونذكر من بينهم جولييت بينوش طبعا وغابرييل بيرن وبوب غونتون إلى جانب صديقهم بانديراس الذي ناسبه الدور في أن لا ينهزم حتى آخر لحظة.

أخيرا نختم بتنبيه عشاق موسيقى جيمس هورنر بأن موسيقى الـ“33” من تأليفه، وبالجملة التي حملها مطلع الفيلم “يموت سنويا 12000 من المنجميين عبر العالم في حوادث منجمية”.

16