الفائز الحقيقي في الانتخابات المحلية في المغرب

الاثنين 2015/09/07

الجواب عن سؤال من فاز في الانتخابات المحلية والجهوية التي جرت أطوارها في الرابع من سبتمبر الجاري، يحيل تقنيا إلى أحزاب تصدرت الكوكبة المتنافسة على مقاعد الجماعات والمجالس الجهوية. لكن من الناحية الإستراتيجية فالتجربة الديمقراطية بالمغرب هي من انتصر بامتياز.

فحسبما استقيته من آراء لمحللين ومتابعين فقد أرخوا للحظة الانتخابية المغربية إيجابيا. وبصموا جميعا على أن المغرب لم ينتكس ديمقراطيا، بل نجح رغم بعض التحفظات.

هناك من لم يرقه سلوك بعض الأحزاب في شراء الذمم والأصوات بالمال، وهناك من امتعض من تدخل بعض أعوان السلطة لصالح هذا المرشح أو ذاك. رفعت الإدارة تحدي إنجاح هذه الاستحقاقات ونجح الرهان حقا. مرت الانتخابات في أحسن الظروف تنظيميا وأمنيا، ولم تسجل أي أفعال إجرامية تهدد العملية في عمقها.

الدولة المغربية أجهزت على كل طموح للمتشككين في إرادتها واستمرارها في تحقيق خطواتها المتتالية في ترسيخ الديمقراطية وحرية إبداء الرأي. كان هذا باديا من خلال حيادها الإيجابي وأخذها مسافة واحدة من كل الأحزاب. لم تحاب هذا ضد ذاك. ومن ثبت في حقه من ممثليها الدعاية والدعم لأحد المرشحين يتم إيقافه.

إنه النموذج المغربي في خضم زمن عربي خطير، يمتاز بالضبابية وعدم اليقين. لذلك عُد المغرب بامتياز نموذجا يحتذى. في ظل إمارة المؤمنين التي تميز النظام المغربي لا يمكن لحزب أيا كانت مرجعيته أن يستغل الدين لأغراض سياسية. فاز حزب العدالة والتنمية، لكنه لم يكتسح ولا يمكنه ذلك في ظل إدارة واعية بمخاطر القفز بمظلة دينية داخل ساحة مغربية تعتبر الدين أحد مقومات وجودها. لا يمكن السماح للعدالة والتنمية باستغلال مقاعد فاز بها لإلباس العمّة لمؤسسات الدولة، وهناك خطوط مرسومة سلفا لا يمكنه تجاوزها.

من فاز اليوم هو المغرب. هناك كتلة عزفت عن التصويت وعن المشاركة وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. مجموعة من السياسيين الذين حاورتهم أعربوا عن تخوفهم من هذه الفئة، وخصوصا الشباب. قالت إحدى القياديات بحزب مغربي شاركت في الانتخابات “كان همي عندما خرجت أقوم بجولة انتخابية في الأحياء التي ترشحت بها هو إقناع الناس بأهمية التصويت لي، لكن أمام ما رأيته من عزوف شبابي دخلت معهم في حوار لإقناعهم بجدوى مشاركتهم وعدم ترك المكان فارغا يحتله من لا يستحق. قلت لهم إن ما نؤسسه حاليا هو لأجلهم مستقبلا”، أجابها أحدهم: لكنكم تتركوننا لمصيرنا كلما فزتم ولا تعيروننا أي انتباه، ولا تولون مطالبنا أي أهمية رغم مشروعيتها وبساطتها.

قلت للقيادية الحزبية إن الرهان على العزوف مستقبلا من طرف قوى تشتغل في الظلام سيخدم مصالحها. وليس سرا أن تكون هناك قوى جذب وقوى طرد تماشيا مع قانون الطبيعة. لذا وجب قطع الطريق على كل مركز قوة يريد إضعاف الهيكل العام للدولة الديمقراطية. والعمل جديا على مشروع مجتمعي طويل الأمد لمصالحة الشباب والكتلة غير المصوتة مع السياسة. وهذا لن يكون بين ليلة وضحاها، على اعتبار أن تراكم سنوات العزوف يتطلب وقتا غير يسير.

هناك كتلة لا تدلي بصوتها الانتخابي ولا تشارك في العملية السياسية، ومبررها كفرها بالسياسيين وبرامجهم ووعودهم. وهذه مسؤولية الجميع دون استثناء. في الطريق التي اختارها المغرب ديمقراطيا وتنمويا واقتصاديا لا يمكن الذهاب بعيدا دون إشراك الجميع في صياغة عقد اجتماعي وسياسي للألفية الثالثة.

هناك من اعتبر أن فوز العدالة والتنمية بالعديد من المقاعد في الانتخابات المحلية والجهوية، ناتج عن ترهل أحزاب كانت تدافع عن الخط الحداثي ولها مشروع مجتمعي متنور. سألت أحد الباحثين في الشأن السياسي المغربي كيف ترى فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة؟ فأجابني بسؤال حارق. قال لي: ألم يكن المواطن المغربي راضيا عن أداء حزب العدالة والتنمية، فجدد ثقته فيه أم أن الناخب وضع في موقع الحائر في أمره، في ماهية من يمنح له الصوت، في غياب بديل لكل هذه القوى فاختار بالمفاضلة بين أخف الأضرار؟

يبقى أن تحالفات الأحزاب بعد الانتخابات هي من سيحدد مستقبل الجهة والجماعة المحلية تنمويا واجتماعيا. خصوصا مع الاختصاصات التي أعطيت للجهة والعمالات. ويبقى أيضا أن هذه الانتخابات ستشكل محكا للأحزاب الفائزة والخاسرة على السواء في محاربة العزوف السياسي والانتخابي من قبل الكتلة الصامتة مستقبلا، خصوصا وأن الانتخابات البرلمانية، التي ستجرى عام 2016، لا تفصلنها عنها سوى بضعة أشهر.

كاتب مغربي

9