"الفائز بالكأس" لرشيد بوجدرة علامة أدبية

"الفائز بالكأس" لرشيد بوجدرة رواية متعة كرة القدم ولكنها أيضا رواية الثورة الجزائرية في سنواتها الأكثر عنفا، لقد نقل رشيد بوجدرة الثورة الجزائرية إلى ملعب كرة القدم.
الأحد 2018/06/24
الروائيان رشيد بوجدرة وأمين الزاوي

رواية “الفائز بالكأس”  «Le vainqueur de coupe» أحد أجمل نصوص الروائي السجالي رشيد بوجدرة، نشر هذا النص السردي بالفرنسية العام 1981 عن دار دونويل بباريس، وتجري أحداث الرواية في ملعب كرة قدم وهي تتابع بالوصف المباراة النهائية لكأس فرنسا للعام 1957.

ما يشغل رشيد بوجدرة وقد تجاوزت تجربته الروائية نصف قرن من الكتابة المتميزة والمثيرة باستمرار، هو التاريخ كهاجس مركزي وحول هذا الهاجس وفيه تتأسس الذات المنكسرة أو الحالمة أو المقاومة، كما أن رشيد بوجدرة مهووس بهاجس الكتابة نفسها، أي الحفر في الكلمات والاجتهاد المستمر في التجريب السردي.

يمكن القول أيضا بأن ما يخلد رشيد بوجدرة روائيا وما ثَبّت اسمه في ذاكرة القراء في العالم هما نصان أساسيان؛ “الإنكار” La Répudiation وهو أول رواية له نشرها العام 1969، وتعد بالفعل النص الذي حقق له انتباها نقديا فرنسيا وأوروبيا كبيرا، والنص الثاني هو “الحلزون العنيد” وهو الرواية التي اشتغل فيها كثيرا على الفلسفة الوجودية والعبث على الطريقة البروستية والكاموية.

وأما “الفائز بالكأس” فهي رواية مكتوبة بجنون فائق، يلاقي فيها رشيد بوجدرة ما بين التاريخ والعبث والصدفة والانتصار للحرية والشجاعة التي تتعايش يوميا مع الخوف.

يخلو الأدب الروائي العربي والمغاربي من النصوص السردية عن كرة القدم، مع أن كرة القدم إلى جانب الدين الإسلامي هما الظاهرتان السوسيولوجيتان اللتان تحضران بشدة في حياة المواطن العربي والمغاربي في وعيه ولا وعيه وفي سلوكه حضورا يصل حد الجنون والهوس.

تجري أحداث رواية “الفائز بالكأس” داخل مدرجات ملعب كولومب لكرة القدم بفرنسا، حيث تُلعب المباراة النهائية لكأس فرنسا ما بين نادي تولوز ونادي أنجي وذلك في عز سنوات الثورة الجزائرية وبالضبط في 29 مايو 1957.

الأدب الروائي العربي والمغاربي يخلو من النصوص السردية عن كرة القدم، مع أن كرة القدم إلى جانب الدين الإسلامي هما الظاهرتان السوسيولوجيتان اللتان تحضران بشدة في حياة المواطن العربي والمغاربي في وعيه ولا وعيه

يجلس في مدرج التشريفات لحضور المقابلة الرئيس الفرنسي روني كوتي ومجموعة من الشخصيات الرسمية الأخرى ومن بينها موريس بابون (المدير العام للأمن) ونائب رئيس البرلمان الجزائري المدعو علي شكال، وهو أحد الجزائريين الخونة المنحازين للإدارة الاستعمارية وأحد معاونيها، وفي مدرجات الدرجة الاقتصادية في الجهة الأخرى للملعب، يحضر أحد المناضلين المنتمين لجبهة التحرير الوطني والملقب بستالين واسمه الحقيقي محمد بن صادوق، وهو مكلف من قبل الثورة بتصفية العميل علي شكال أثناء المباراة.

تبدأ المباراة، يشتد التنافس بين الناديين الكرويين، تُسجل الأهداف، والحماس يرتفع ويرتفع والمباراة تقترب من نهايتها، وفي الأثناء يراقب المناضل محمد بن صادوق وبكل دقة الخائن علي شكال في حركاته وملامحه وهو الذي لم يسبق له أن شاهده قبل هذه الساعة، ولكن يميزه عن الآخرين بقبعته، ولا يشغل محمد بن صادوق إلا البحث عن اللحظة المناسبة لإطلاق النار على هدفه، لكنه في مكان بعيد، يستحيل إطلاق النار منه، تنتهي المقابلة بنتيجة ستة أهداف لتولوز مقابل ثلاثة لأنجي، ولكن فرصة إطلاق النار على الخائن لم تتوفر، وقبل نهاية المقابلة ببضع دقائق يغادر بن صادوق المدرج، ليجد أبواب الملعب كلها مغلقة من قبل الأمن في انتظار أن يغادر الرئيس كوتي، ينتظر قليلا يغادر الرئيس، وفجأة يجد نفسه وجها لوجه أمام هدفه علي شكال، يتعرف عليه جيدا ثم يطلق النار عليه، رصاصة واحدة في القلب، وكانت نهايته، ويلقى القبض على منفذ العملية، والذي سيحكم عليه بالسجن المؤبد، وتعرف قضيته تعاطف الكثير من المثقفين من أمثال سارتر وسيمون دو بوفوار وجيرمان تيون وألبير كامو وغيرهم والذين اعتبروا ما قام به محمد بن صادوق دفاعا عن الوطن ضد خائن انحاز للعدو.

الثورة الجزائرية في ملعب كرة القدم
الثورة الجزائرية في ملعب كرة القدم

لكن الجميل في الرواية كنص سردي أدبي هو أنها على الرغم من اعتمادها على وقائع حقيقية حدثت في تاريخ الثورة الجزائرية، وأن كل ما ذكره الروائي من أحداث هو حقيقة أو تكاد، وأن عملية الاغتيال ثابتة ومنفذها مجاهد معروف، أطلق سراحه بعد الاستقلال ولا يزال على قيد الحياة، إلا أن الروائي استطاع أن يرتفع بالسرد من المستوى الواقعي المباشر إلى المستوى الفنتاستيكي بشحنات سيكولوجية كبيرة، حيث اشتغل كثيرا على مفاهيم الصبر والخوف والترقب والشجاعة والصدفة أيضا، ومع ذلك لم تنس الرواية نقل تفاصيل المبارة الحاسمة حول كأس الجمهورية، وسنلاحظ كيف أن توتر المناضل بن صادوق يتصاعد مع ارتفاع توتر المباراة واقترابها من نهايتها.

تقدم رواية “الفائز بالكأس” لرشيد بوجدرة كثيرا من المعلومات عن كرة القدم الفرنسية في الخمسينات، حيث أن العديد من النوادي الفرنسية، كما هي الآن، تعتمد في صفوفها على لاعبين أجانب من مغاربيين وإيطاليين وأرجنتينيين، وفي الرواية نكتشف أيضا ثقافة رشيد بوجدرة الواسعة في كرة القدم وهو ليس غريبا عن ذلك فقد كتب سيناريو حول تاريخ “نادي مولودية الجزائر” لكرة القدم، وهو من أعرق النوادي الرياضية في الجزائر.

والمدهش أيضا في الرواية هو اعتماد رشيد بوجدرة على تقنية المعلق الرياضي في كتابة السرد وتطوير وتيرة الحدث الروائي، ونكتشف في الروائي ثقافة أسلوبية رياضية متميزة، حيث يصف بدقة تقنيات اللعب: “ضربات مقص، ضربات الرأس، تمريرة سريعة، مراوغات بهلوانية، تبادل الكرات، تبادل المواقع، الصعود والهبوط في الميدان، مراوغة، مراوغة مضادة…” (ص68).

“الفائز بالكأس” لرشيد بوجدرة رواية متعة كرة القدم ولكنها أيضا رواية الثورة الجزائرية في سنواتها الأكثر عنفا، لقد نقل رشيد بوجدرة الثورة الجزائرية إلى ملعب كرة القدم.

13