الفاتيكان يثمن المشترك بين المسيحيين والمسلمين بالاعتراف بفلسطين

يمكن أن يوجد أمل في حل الصراع الطويل في الشرق الأوسط إذا تم التخلص من الغلاف الديني للصراع والدخول مباشرة في مفاوضات سياسية يسودها خطاب بعيد عن التحشيد العاطفي والديني. وتؤكد الأحداث المتتالية أن المشكل الحقيقي في إيجاد مخرج للقضية الفلسطينية لا يكمن في الدين في حد ذاته، بل إن الأديان جميعا لا تنكر أهمية العيش المشترك والانفتاح على الآخر، إنما القضية تكمن في توظيف الدين لتأجيج صراعات يمكن للإنسانية أن تستغني عنها لصالح كونية أخرى ممكنة. وهذا ما أكده الفاتيكان أخيرا بشكل غير مباشر، باعترافه بدولة فلسطين.
الثلاثاء 2015/05/19
اعتراف الفاتيكان بدولة فلسطين وقفة تأمل من أجل الانفتاح والتسامح

روما - قال الفاتيكان في بيان رسمي صادر عنه إنه فرغ من صياغة أول معاهدة يعترف فيها رسميا بدولة فلسطين، وهو إعلان قوبل بانتقادات سريعة من مؤيدين لإسرائيل بخطاب يميل إلى استفزاز عداء ديني ما.

وتأتي الاتفاقية التي قال الفاتيكان إنها تهدف إلى “تعزيز وضع الكنيسة الكاثوليكية وأنشطتها والاعتراف بها على المستوى القضائي” قبل أيام من لقاء منتظر بين البابا فرنسيس والرئيس الفلسطيني محمود عباس والتي من المرجح أن تقوي العلاقات بين الفاتيكان والفلسطينيين، حسب مراقبين.

وقال بيان مشترك أصدره الفاتيكان إن نص المعاهدة التي تشمل أنشطة الكنيسة في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية تم الانتهاء منه وسيوقع رسميا من جانب السلطات المعنية “في المستقبل القريب”. وقد أقيم احتفال في القدس الشرقية بإعلان قداسة راهبتين فلسطينيتين عاشتا في أواخر القرن التاسع العشر كانتا قائمتين على تعليم الفتيات القراءة والكتابة، وكانتا تعلمان فتيات جميع الأديان دون تمييز، ما اعتبر رمزا للنضال الإنساني الفلسطيني من أجل التعلم دون السقوط في تمييز ديني أو عرقي، وهو نموذج راق للتسامح وقبول الآخر المختلف.

وقد ركز الفاتيكان على إعلان قداسة الراهبتين الفلسطينيتين نظرا لما تميزتا به من قدرة على جمع الناس من حولهم وتقديم خدمات لهم دون تفضيل دين عن آخر، ما جعل ماري ألفونسين غطاس ومريم بواردي نموذجين رائدين في التعايش والاندماج بين أفراد المجتمع على قاعدة الانتماء إلى الوطن الفلسطيني.

وقد أكدت عديد التصريحات من قيادات في الفاتيكان أن الاعتراف بدولة فلسطين “موضوع مفرغ منه منذ زمن، ولا يمكن إنكار فلسطين بأي شكل من الأشكال”. وقد أكد الكاردينال أوغوستينو فاليني نائب البابا على أبرشية روما أن “فلسطين وطن لكنائسنا المقدسة، ويجب أن نكون في تواصل تام ومستمر مع السلطات والشعب الفلسطيني”.

فلسطين وطن لمقدسات المسيحيين ويجب أن يكون هناك تواصل مستمر مع السلطات والشعب الفلسطيني

وقال الأب فيدريكو لومباردي المتحدث باسم الفاتيكان “اعترفنا بدولة فلسطين منذ أن نالت الاعتراف من الأمم المتحدة وهي من قبل مسجلة باسم دولة فلسطين في كتابنا السنوي الرسمي”.

وأضاف “نحن دائما نصلي من أجل السلام والحب والتسامح، تعاليمنا توصي بأن ندعو الجميع إلى العيش المشترك والاحترام المتبادل والحب”.

وفي زيارة استمرت ثلاثة أيام إلى الشرق الأوسط قبل عام أثار البابا فرنسيس سعادة مضيفيه الفلسطينيين عندما أشار إلى “دولة فلسطين” داعما مسعى الفلسطينيين إلى الاعتراف العالمي بدولتهم.

وأكد في السياق رجال دين فلسطينيون وعلى رأسهم مفتي الديار الفلسطينية محمد حسين أن “البابا في زيارته السنة الماضية أكد أن الفاتيكان يقف دائما إلى جانب القضايا العادلة، ونحن ننظر إلى جهوده في إحلال روح التسامح والتفاهم نظرة إيجابية وفيها الكثير من التفاؤل والدعم”.

وأشار المفتي إلى أن العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في فلسطين هي علاقة “نموذجية على المستوى العالمي”، فتاريخ الأديان السماوية مر من فلسطين، وهي الأرض التي عاش فيها المسيح وقدم فيها رسالته والتي شهدت إسراء الرسول محمد، وفيها كنيسة القيامة والمسجد الأقصى.

وقال نائب وزير خارجية الفاتيكان المونسنيور أنطوان كاميليري في مقابلة مع صحيفة الفاتيكان الرسمية إنه يأمل أن تساعد الاتفاقية بشكل غير مباشر دولة فلسطين في علاقاتها مع إسرائيل.

العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في فلسطين هي علاقة "نموذجية على المستوى العالمي"، فتاريخ الأديان السماوية مر من فلسطين

وأضاف قائلا “سيكون شيئا إيجابيا إذا أمكن للاتفاقية بطريقة ما أن تساعد في الاعتراف وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سياسة وديمقراطية تعيش في سلام وأمن مع إسرائيل وجيرانها”.

وفي المقابل، فإن التفاهم الرسمي والديني الواضح بين دولة الفاتيكان والسلطة الفلسطينية وبين المراجع الدينية المسيحية في الفاتيكان ونظرائها في فلسطين، يقابل برفض واضح من رواد الرأي العام اليهودي الذين رفضوا خطوة الاعتراف بفلسطين من قبل دولة الفاتيكان، وهو ما أثار استغراب العديد من المتابعين بالنظر إلى يد السلام والانفتاح التي مدها الفاتيكان والتي قوبلت بالانسحاب من قبل اليهود.

فقد وصف موشي كانتور رئيس المؤتمر اليهودي الأوروبي الإعلان الصادر عن الفاتيكان بأنه “مؤسف”، وقال إنه “سيقلص فرص الحل السلمي، عن طريق التفاوض، للصراع وسيقوي المتطرفين”. وقد ردت تقارير صحفية عن هذا التصريح بالقول إن “التطرف وعدم قبول الحوار يوجدان لدى الطرف الذي يعقد طرق الحوار والتفاوض وغير القابل للحلول التي يتفق حولها الجميع”.

ودائما ما تكون الأهداف الدينية في مثل هذه المناسبات مغلفة بخطاب سياسي لإخفاء الرغبة في إقصاء الآخر غير اليهودي عبر السعي إلى ما يسمى “يهودية الدولة” في إسرائيل. وقال أبراهام فوكسمان من “رابطة مناهضة تشويه السمعة” إن المعاهدة “سابقة لأوانها”، مضيفا أنها ستقوض التوصل من خلال المفاوضات إلى حل الدولتين لإنهاء الصراع.

13