الفارس الفرنسي المقبل ورفاقه يولون الأدبار

السبت 2013/09/21
فابيوس أظهر الكثير من المواقف التي تشي بأسلوب مغاير في الخطاب الفرنسي

لم يكن لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي ليجلب الأنظار نحو تحركاته المارثونية الأخيرة لولا التبدل الملحوظ في الدبلوماسية الفرنسية في ما يخص الملفات الشديدة التعقيد والتي أرادت لعب الأدوار المهمة وعدم البقاء على الهامش.

فمنذ مجئ ساركوزي لاحظ المهتمون بالشأن الفرنسي أن هناك نفس جديد في رغبات وتطلعات باريس في اتجاه العالم الخارجي، بدا ذلك من خلال الموقف من الثورة الليبية وقرار فرنسا التدخل العسكري ثم من خلال سعي فابيوس إلى إيجاد مخرج للمعضلة السورية ودفع كثير نحو الضربة العسكرية وكان منسجما تماما مع الموقف الأميركي ممثلا في جون كيري يسعى دائما الى تلبية الرغبة الاميركية مذكرا الجميع بالدور الذي كان يلعبه بلير إبان التحضير لضرب العراق.

ويذهب بعض العارفين بشخصية فابيوس أن الرجل لديه القدرة على تتمكن فرنسا من القيام بدور قيادي في العالم اعتبارا للمفات الساخنة التي سيتعامل معها ولعل أبرزها الآن القضية السورية وتتداعياتها الحاصلة.

الرجل المخضرم والذي تزامن دخوله السياسة مع بسط فرانسوا ميتران الرئيس الراحل يده على الحزب الاشتراكي، يدرك حجم الصعوبات التي ستعترض المواقف الفرنسية ليس بخصوص الملف السوري فحسب بل في ما يتعلق بالعديد من القضايا الدولية التي تحركها حزمة من التجاذبات الدولية.

ذاك ما أدركه فابيوس حال تسلمه مهامه من آلان جوبيه سلفه في الحكومة اليمينية السابقة، معتبرا أن عليه أن يخرج القرار الفرنسي من التردد والانتظار ليكون أكثر تأثيرا في المحيط الدولي.

والعالم يشهد حراكا واسعا متعلقا أساسا بضرورة معالجة الملف السوري الذي طال كثيرا وجعل المجتمع الدولي يختلف في طرق حله والتخلص من تأثيراته السلبية المتوقعة، تجيء تحركات فابيوس لدعم المقاربة الفرنسية وبيان وجاهتها.

سياسة فابيوس الخارجية ستعمل على إلقاء فرنسا بثقلها في عدة ملفات ساخنة متجاوزة مبدأ الاستقرار الذي كان يحكم دبلوماسيتها، ذاك الاستقرار الذي قرر ساركوزي الخروج عنه ذات خطاب ألقاه في قصر الاليزيه عندما قال:

«خلال سنوات، كان المحور الذي دارت حوله دبلوماسيتنا هو مبدأ الاستقرار. وبسببه، كانت لفرنسا علاقات مع أنظمة لم تكن مثالا في الديمقراطية. غير أن نهضة الشعوب العربية وتوقها للحرية يسمحان لنا بالتوكؤ عليهما لوضع حد نهائي لمبدأ الاستقرار الذي كان يجعلنا في حالة تناقض دائمة بين القيم التي كان علينا الدفاع عنها وحقيقة الواقع الذي كنا نعيشه، اليوم، ثمة فرصة للتوفيق بين الواقع والقيم».

التوفيق بين الواقع والقيم ليست مهمة صعبة عند فابيوس لكنها في الحقيقة ستصطدم بتباين عالمي من عدة مسائل ربما ستجعل من وزير الخارجية الفرنسي يعدل من جموحه ولو قليلا.


موقف صريح من الأزمة السورية


أظهر لوران فابيوس من خلال تحركاته الدولية ومحاولاته الساعية للإقناع بالمقاربة الفرنسية الكثير من المواقف التي تشي بأسلوب مغاير في الخطاب الفرنسي، وكانت جلها تتعلق بالأزمة السورية وضرورة اتخاذ الاجراءات اللازمة لحلها.

وأعرب عن تلك المواقف الحادة خاصة إثر لقائه بوزير الخارجية الأميركي جون كيري حيث صرح وقتها أنه يجب على العالم إدانة استخدام الكيمياوي وعقاب من استخدمه، وأن دول الاتحاد الاوروبي تحمل الأسد المسؤولية، وعليه إدراك أنه لا يمكنه الاستمرار في ممارساته.وأن فرنسا تلقت الدعم الكامل من جامعة الدول العربية.

والضربة العسكرية قد تمهد للحل السياسي في سوريا.كما أن بعض الدول في قمة العشرين اقتنعت بضرورة الرد على النظام السوري.إضافة إلى أنه لا مجال لإنكار استخدام السلاح الكيمياوي في سوريا، الأسد هو الذي يمتلك السلاح الكيماوي بسوريا،و فرنسا لديها القناعه الكاملة بأن نظام الأسد استخدم السلاح الكيميائي لقتل الأطفال.

وبشأن القرار الروسي الذي يصفه البعض بأنه نجح في إفشال المسعى الفرنسي نحو الحل العسكري، يرى فابيوس أن بلاده ستقدم مشروع قرار لمجلس الأمن يطالب سوريا بالكشف عن أسلحتها الكيمائية. ويذهب فابيوس إلى أن مشروع القرار يهدف إلى إدانة المجزرة التى وقعت فى الحادى والعشرين من أغسطس الماضى بريف دمشق والتي ارتكبها النظام.

وأوضح رئيس الدبلوماسية الفرنسية أن مشروع القرار يطالب بالكشف عن برنامج الأسلحة الكيميائية السورية، وكذلك بتدمير كافة الأسلحة الكيميائية التى تمتلكها دمشق، ويشدد فابيوس على أن مشروع القرار الفرنسي ملزم وينص كذلك على ضرورة تفكيك الأسلحة الكيميائية فى سوريا.

مؤكدا أنه على نظام دمشق الكشف عن كامل ترسانته الكيميائية، وأن مشروع القرار هذا يسمح بوضع الجميع أمام مسؤولياتهم. كما دعا لوران فابيوس الى ضرورة معاقبة مرتكبى الهجوم الكيمائي وردعهم لعدم تكرار ذلك في المستقبل مع التمسك بالحزم.

وفي ما يتعلق بالمبادرة الروسية يذهب فابيوس الى أنه يجب التعامل بحذر، ولكن لا يجب أن يتم استخدامها كمناورة. مؤكدا أن فرنسا لن تسمح للرئيس السوري بشار الأسد بمواصلة مناوراته وأن الأدلة على استخدام الكيماوي من جانب النظام السوري تتراكم يوما بعد يوم.

كما يعتبر الاقتراح الروسي بوضع الترسانة الكيميائية للنظام السوري تحت مراقبة دولية يمكن قبوله بثلاثة شروط على الأقل. وأنه لا يمكن التوصل إلى حل مع بشار الأسد،ويعتبر أن أيديه ملطخة بالدماء بل بالكثير من الدماء وبالتالي من غير الوارد أن يكون جزءا من الحل.

كما وصف فابيوس الوضع بأنه صعب للغاية، لهذا السبب يجب أن تتحرك سوريا بسرعة وتبدأ بالانضمام إلى منظومة مكافحة الأسلحة الكيميائية التي تفرض على الدول التي تنضم إليها أن تقدم إحصاء بالمواد التي تمتلكها وأماكن وجودها، وأن كافة الخيارات لا تزال على الطاولة بشأن سوريا وذلك فى إشارة إلى خيار التدخل العسكري.

مواقف فابيوس كانت صارمة في ما يتعلق بالملف السوري محاولا التأكيد على أن المبادرة الروسية لا تلغي الخيار العسكري. كما أن جل التصريحات التي أدلى بها تشير إلى أن الدور الفرنسي المستقبلي لن يكتفي بالفرجة بل سيكون فاعلا في الأحداث وفق أسس دبلوماسية جديدة.


رؤية فرنسية في خضم تجاذبات دولية


الخيارات الفرنسية في سياستها الخارجية لن تكون محل ترحيب من طرف جميع الدول، خاصة إذا كان هناك خلاف جوهري في المصالح وفي الرؤى. ولعل الرفض الذي تواجه به الدبلوماسية الفرنسية آت من إيران ومن روسيا الحليفين البارزين للنظام السوري.

فقد رفضت طهران سابقا على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها عباس عراقجي تصريحات فابيوس التي اتهم فيها إيران بالتدخل في شؤون سوريا. وقال عراقجي وقتها، إن تصريحات وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس تأتي للتغطية على التدخل الشامل لباريس في الشأن السوري.

وجدد التأكيد على أن طهران تواصل دعمها لجهود الإصلاح في سوريا وما يمكنه أن يؤدي إلى إيقاف العنف وإراقة الدماء في هذا البلد ويمهد لبدء حوار وطني بعيدا عن التدخلات الأجنبية. وأكد عراقجي أن الشعب السوري هو الذي ينبغي أن يقرر مصير مستقبل بلاده وأن فرنسا هي التي لعبت دورا غير بناء في الأزمة السورية منذ البداية، من خلال عدم الاهتمام بدور ومقترحات إيران البناءة، والدفاع عن تجهيز المجموعات المتطرفة بالأسلحة.

كم وصفت إيران الاتفاق الحاصل بين روسيا وأميركا حول سبل معالجة المعضلة السورية بأنه أظهر الحد الأدنى من الحكمة لدى الولايات المتحدة. وقال رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني "دائما كنا نأمل بأن يكون لدى الأميركيين الحد الأدنى من الحكمة وألا يتخذوا تدابير عسكرية"، وأضاف "أن الاتفاق أظهر أن هذا الحد الأدنى من الحكمة موجود على أقل تقدير".

وأكد مساعد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان أنه لم يعد للولايات المتحدة "أي ذريعة لشن عدوان على سوريا"، محذرا "دعاة الحرب على سوريا من الدخول في نفق لا نهاية له".

وسط هذا الخلاف البائن مع طهران يسعى فابيوس إلى تليين الموقف الروسي بخصوص موقفها الحاد من الأزمة السورية و البحث معها عن طرق لوضع الأسلحة الكيميائية السورية في هذا البلد تحت رقابة دولية.

ومناقشة مفصلة للمسائل الأكثر إلحاحا في جدول الأعمال الدولي، بما فيها القضايا الإقليمية الساخنة، وبالدرجة الأولى الوضع حول سوريا في ظل المبادرة الروسية،على الرغم من الخلافات المعروفة في مواقف روسيا وفرنسا حول سبل تسوية الأزمة السورية، فإن الحوار الروسي – الفرنسي يسمح بالبحث عن نقاط التلاقي وسبل التعامل لإيجاد حل لهذه الأزمة في جو من الانفتاح والثقة.

وكان فابيوس انتقد الاتهام الروسي بانحياز مفتشي الأمم المتحدة قائلا: لا أحد يمكنه التشكيك بموضوعية الأشخاص الذين عينتهم الأمم المتحدة، مبديا استغرابه الشديد إزاء التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والتي ندد فيها بـ"الخلاصات المسيسة، المنحازة والأحادية" من جانب مفتشي الأمم المتحدة.

ورد فابيوس على المواقف الروسية مشيرا إلى أن التقرير لا يمكن التشكيك فيه جديا، إنه يظهر أن النظام كان ولا يزال يملك ترسانة كيميائية كبيرة وقد قام باستخدامها.

تحاول إذن الدبلوماسية الفرنسية أن تكون أكثر فاعلية للتأثير في المواقف الدولية، إلا أنها تصطدم برؤى لا تتماشي مع نظرتها للحلول ولإدارة الملفات الساخنة و ذات الحساسية العالية. مما يجعل طموحات فابيوس تعرف نوعا من الاحباط خاصة بعد التوجه الاميركي نحو المبادرة الروسية ومحاولتها التقاطها وتوظيفها في إطار حل دبلوماسي بحث عنه كيري طويلا ولم يصل إليه تفكيره الناعم.

ووسط هذه التجاذبات الدولية تكون الدبلوماسية الفرنسية زمن فابيوس في سباق مع قوى دولية أخرى لا ترى بنفس المنظار الذي يضعه فابيوس على عينيه. فهل تقدر مع ذلك على إعادة فرنسا إلى الواجهة بتقمصها للأدوار المهمة والمؤثرة في المشهد العالمي؟.

14