الفاسدون محسودون!

الثلاثاء 2014/01/21

قرأتُ تعليقا لشاب مصري على الفيسبوك أثار شجوني. التعليق يقول ما مفاده: خلال الثورة في مصر لم يرفع أحدٌ من الثائرين ورقة واحدة من أوراق النفايات عن الأرض، وأن قلة النظافة بقيت على حالها خلال وبعد الثورة..

تعليق الشاب المصري يدور حول صورة البلد، حول الحاجة إلى مبادرات بسيطة من أجل تحسين هذه الصورة في عيون أبناء البلد قبل الآخرين، وكيف أن مفهوم الثورة لا يشمل كما يبدو إسهام الأفراد في رفع النفايات، وهذه تزايدت بصورة مهولة في السنوات العشر الأخيرة في القاهرة.

كم من المرات يصادف المرء في عديد البلدان وهو يمشي حجرا ولا يرفعه عن الطريق، بمن في ذلك المتديّنون الذين يرددّون الحديث الشريف: إماطة الأذى عن الطريق صدقة.

في العقدين الأخيرين تضخمت فردية المواطن العربي (الرجل أكثر من المرأة) وازدادت وتيرة الشكوى لديه، واشتدت معارضته للحكومات، وهي فردية الكائن الأناني والمنغلق، مع ميل طاغ لتنزيه النفس عن ارتكاب الأخطاء، بينما يفيد واقع الحال أن الفساد المجتمعي لا يقل سوءا عن فساد الحكومات، وأن كثرة من الناقمين على الفساد مبعث نقمتهم هو الشعور بالحسد حيال الفاسدين لا رفض الفساد ذاته، بدليل اغتنام أية فرصة للفساد من قبيل: الجشع، والافتئات على حقوق الآخرين، والكذب الدائم.

للحكومات دور في إشاعة الفساد وتعميم نموذجه، لكن شطرا كبيرا من المجتمعات يألف الفساد ويستمتع به ويسوّغه، ولهذا استفحلت عبادة المال، وكادت تنعدم روح الغيرية (الإحساس بالغير). ومن السخف وخداع النفس تحميل الحكومات كل المسؤولية، فللناس من شتى الشرائح مبادرات وإبداعات متعددة في هذا المضمار.

الحكومات بارعة في فن البقاء والاستمرار والتسلط، والشطر الأكبر من المجتمع شاطر في النهش والهبش واللؤم والدجل.

وعليه فإن نقد السلطات أو النقد السياسي لا يكفي إن لم يقترن بنقد الثقافة اليومية، ونقد نسق التفكير والتعبير والسلوك الاجتماعي.

في العالم المتقدم لا تقلّ المجتمعات تقدما عن حكوماتها، وعربيا فإن نسبة هائلة من الناس لا تقلّ فسادا واستبدادا عن بعض حكوماتها.. وسامحونا.

24