الفاشلون في توريث آمال الوحدة

الخميس 2017/10/05

تنغلق دائرة إرادة الانفصال والانشطار عن الدولة الوطنية بمجرد مغادرة دعاة البقاء والوحدة للمشهد السياسي، موتا أو اغتيالا معنويا كان أم ماديا.

برحيل القوى الاعتبارية الرمزية المجسدة في شخصيات سياسية ذات وزن مناقبي في استحقاق صناعة الرأي ورهان المحافظة على معالم الجغرافيا وشواهد التاريخ في حدّها الأدنى، يكون الانفصال قد انتقل من الفرضية المرجحة إلى الحتمية.

بغياب أو تغييب هؤلاء عن الفضاء العامّ، يصبح المشهد السياسي مجال مكاسرة بين حديْن متعصبيْن يدعي كل واحد منهما الحق في القول والصواب في الطرح، أو في الحد الأدنى يكون الفضاء عبارة عن طرف يبتغي الوحدة ورص الصفوف والتشارك، وآخر يرفض مقولة الاجتماع ويرى فيها إما فرصة لطرح شروطه على الوطن وشركائه في الوطن، وإما دعوة للانصهار والذوبان الثقافي والهوياتي.

التوافق الاجتماعي قوامه أمران، إما مواطنة مؤصلة على العقد الاجتماعي ضمن الدولة الوطنية، وإما رغبة في التعايش بين الطوائف والإثنيات والمذاهب على أساس التنازل المتبادل لصالح الاجتماع البشري.

فشل العراق في أن يكون دولة مواطنة وأن يهب لأبنائه هوية وطنية بمنأى عن الهوية الوشائجية القبلية، ويراد له اليوم أن يفشل أيضا في التسويات الاجتماعية بين مكوناته الإثنية واللغوية والثقافية تحت مسمّى الانفصال والاستقلال.

إن لم يتحوّل رجالات التسوية الاجتماعية إلى رجالات لتأسيس وتأصيل دولة المواطنة، يصبح رحيلهم مكلفا كثيرا، خاصة إذا ارتبط بانبعاث قوي لأصوات الشقاق والانفصال التي لا تترك مجالا للتفاهم وللتعايش.

وحين يرتبط مصير دولة معيّنة بتفاهمات كبار العشائر وزعماء الإثنيات ورؤوس القبائل وبطون العروش تكون الدولة قد افتقدت للأبد مسالك المأسسة والتنظيم التي بها تكون السلطة “دولة” ورهنت مصيرها باتفاقات عرفية تذهب مع رحيل أصحابها.

ارتهن مصير العراق بمفاهمات جماعية بين زعماء الطوائف تأسيسا على دستور الطائفية، كان لعلي السيستاني اليد الطولى بحكم منطق ومنطوق دستور المذاهب، ولكن في المقابل كانت لجلال الطالباني كزعيم للأكراد ورئيس للدولة العراقية الاتحادية سهما وطارق الهاشمي وإياد سامرائي كوجهاء للطائفة السنية العراقية أسهما على رقعة “غنائمية الدولة”.

قد يكون جلال الطالباني رجل التسويات السياسية في العراق، غير أنّ التفاهمات لا تصنع دولة ولا تبني مواطنة حقة، كما أن التعايش بين المكوّنات لا يؤصّل لشعب المواطنة في دولة سيدة.

جلال الطالباني ينتمي إلى جيل سياسي فوّت على العراق فرصة التحوّل من دولة الفرد والحزب إلى دولة الشعب، بمقتضى القانون والدستور على الأقل، وقبل بإدخال أرض الرشيد في نفق الترضيات الطائفية والمحاصصة المذهبيّة.

والمفارقة الأكثر إيلاما أنّ الطالباني ينتمي إلى جيل سياسي عراقي عجز حتى عن توريث أفكار المفاهمات والتسويات إلى الأجيال المتعاقبة، وقصر عن ترك إرث التعايش لورثاء انفصاليين مزّقوا وثائق الفيدرالية وأوراق المحاصصة أمام عينيه.

وحين يرضى “كبار القوم” بالتفاهم الغنائمي ولا يورثون لأبنائهم لبنات الدولة أو شذرات المواطنة، فهم يفتحون الباب لورثة لا يرضون بغير الانفصال طريقا والتشرذم والانقسام خيارا، حينها تصبح تفاهمات الأجداد عبارة عن مرحلية تكتيكية قبل بلوغ حلم الاستقلال ومعها تولد سرديات الوطن المسلوب والإنسان المصلوب.

قبل الطالباني، عجز جون قرنق في جنوب السودان عن إقناع الجنوبيين بحلم الوحدة السودانية في ظل قصور وتقصيره رفقة عمر حسن البشير عن تشييد تصور مشترك لسودان للسودانيين جميعا بلا إثنيات أو مذاهب أو أديان.

كما ترك الطالباني المشهد إلى مسعود البرزاني الانفصالي، ترك قرنق المشهد إلى سلفا كير الانقسامي.

وقبل قرنق كان المهاتما غاندي يمنّي النفس في دولة الهند الموحّدة مع باكستان، وعرض على محمد علي جناح رئاسة الوزراء في الدولة وإلى آخر يوم في حياته لم يستسلم وناضل من أجل الوحدة بين الهندوس والمسلمين.

إلا أن دعاة الانفصال من الهندوس الذين لم يتملكوا الدولة ولم يورثوا مواطنة اختاروا اغتيالا ماديا لغاندي بتهمة الخيانة العظمى في 1948 ليصبح المشهد بين دعاة للانفصال ورؤوس تعصّب وتنطع قومي.

نتأسف على رحيل الطالباني ولكن لن نرثيه سياسيا، فالرجل راهن على المحاصصة ورهن العراق بها وارتهن لها.

ومحكوم على كل من اجتهد في بناء الدولة والمواطنة أن يورث المؤسسات والوحدة، ومحكوم أيضا على كل من قبل بالغنيمة السياسية أن يخسر الرهان ويفقد معه مياسم المواطنة والأوطان.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

8