الفاشية الروسية في نهايتها القصوى

السبت 2014/09/13

كان غريبا جدا أن يغيب صوت روسيا، المتورطة حتى قدميها في المسألة السورية، في ما يخص التحالفات والجهود الدولية الحثيثة لاستئصال تنظيم الدولة الإسلامية. لقد انتظرت روسيا خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي فتح الباب، لأول مرة، لتوجيه ضربات عسكرية داخل سوريا، لكي تعبّر عن موقف ما، جاء ضعيفا ومفتقدا للحدة والاندفاع الذين ميزا الخطاب الروسي في ما يخص الأزمة السورية.

اكتفت روسيا بـ“التحذير” من أن الضربات التي من المتوقع توجيها لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا “تتطلب موافقة الحكومة السورية”. هي، إذن، تعلن صراحةً موافقتها على عمل عسكري في سوريا، لكنها تتوسل مشاركةً ما لحليفها، لكي تتيقن من أن الضربات لن تمسه بسوء.

مع ذلك، يبدو الأمر لافتا، إذ طالما كانت روسيا شديدة الحساسية تجاه أي تصريح يتعلق بسوريا، ومن باب أولى تجاه التحركات السياسية والعسكرية التي قد تهدد جهودها في الحفاظ على نظام الإجرام السوري. ومن هذا المنطلق، تمسكت روسيا بخطاب يعارض أي تدخل عسكري في سوريا مهما كان محدودا، بذريعة أنه سوف “يفاقم” الأزمة. فيما تبدو اليوم أقل عنادا وقابلة، بصورة أو بأخرى، للانحناء أمام عاصفة ما بات الجميع يعتقد أنها قادمة بقيادة أميركية.

ربما تعود بنا الذاكرة إلى الأيام التي تلت هجوم النظام السوري بالسلاح الكيماوي على الغوطة الشرقية، حيث تصاعدت بوتيرة سريعة ردة الفعل الأميركية فيما ساد صمت روسي لم نعرفه من قبل. حينها بدتْ روسيا خائفة فعلا من “الجنون” الأميركي، وما يمكن أن يسفر عنه من عمل عسكري لا يمكنها ولا تريد مقارعته، فاتجهت لمحاولة استيعابه.

في تلك الأيام التي صادف أنها جاءت في شهر سبتمبر أيضا من العام الماضي، أعلن سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا أن بلاده لن تفعل شيئا في حال توجيه ضربات عسكرية لنظام الأسد. ومن ثم سارع لإيجاد مخرج دبلوماسي حيث سلم النظام أسلحته الكيماوية مقابل تفادي الضربات العسكرية، التي كان من المرجح أن تضعفه من دون أن تنجح في إسقاطه. كان نظام الأسد، ولا يزال، مستعدا للتخلي عن أي شي دون استثناء لتفادي مجرد احتمال سقوطه.

ومع عودة احتمالات الضربات العسكرية في سوريا اليوم، عاد الموقف الروسي إلى تعقله الفريد والنادر الحدوث، فماذا وراء ذلك؟ في ظل الزخم السياسي الذي يشهده العالم والحشد لـ “محاربة الإرهاب”، ليس من الجيد، على الإطلاق، أن تظهر روسيا كحجر عثرة أمام تحقيق هذه المهمة “النبيلة”، فضلا عن كونها لا تستطيع العرقلة بكل بساطة!

وبسبب العجز التام المشابه لذلك العجز قبل عام من اليوم، وجدت روسيا أن الإستراتيجية الأنسب تبقى في المراهنة على أن يكون النظام السوري جزءا من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب. لقد قالها لافرورف بشكل علني ومباشر لدى احتلال داعش للموصل وتقدمها بالعراق، قال إن على أميركا والغرب الاعتراف بالواقع وعدم المكابرة، عليهم وضع يدهم بيد الأسد!

في حقيقة الأمر يمكن أن يعبر موقف لافروف عن أحد أمرين. الأول هو عدم فهم الوزير القوي والحاد الطباع لطبيعة الصراع في سوريا والعراق. من هو معسكر الثورة السورية؟ وما هي الحاضنة الأهلية لداعش وللإرهاب حاليا في سوريا والعراق؟ ما هو دور النظام السوري والأسد في تفاقم الإرهاب وانتشاره في كل المنطقة؟

ربما لا يهتم لافروف بالإجابة عن تلك الأسئلة، فاهتمامه محصور في إدامة حكم الأسد، وهو لا يرى أية تسوية سياسية لا يكون الأسد محورها. وكم هو غريب، فعلاً، كل هذا التعامي لنحو أربعة أعوام عن رؤية الواقع الذي يثبت، يوميا، استحالة التوصل إلى أي حل بوجود الأسد، تماما كما حدث في مصر وتونس والعراق واليمن، وفي كل مكان يشهد ثورة شعبية. هل يحتاج ذلك إلى ذكاء استثنائي لالتقاطه؟

وربما لا تنقص روسيا ووزيرها الفطنة اللازمة لكي تفهم، تماما، طبيعة وحجم المعسكر السياسي والعسكري والبشري المعادي لها وللنظام السوري، لكنها مع ذلك تريد سحقه وتدميره.

بكلمات أخرى، تندفع روسيا، بعلم ويقين وإرادة، لارتكاب أحد أعظم الإبادات البشرية في التاريخ المعاصر، من خلال معسكر دولي تكون مهمته ارتكاب مذبحة علنية كبرى ضد المجتمعات الثائرة. هنا تصل الفاشية الروسية إلى نهايتها القصوى لتحقيق مصالح الطغمة المافيوية الحاكمة.

لكن الباب يبقى مفتوحا من أجل حدوث تطور ما في موقف الدب الروسي تباعا في الأسابيع والأشهر القادمة. هذا في حال أدركت أن المعسكر الدولي لمكافحة الإرهاب لن يشمل النظام السوري، ولن يشمل إيران، بل لن يشملها هي أيضا. الأهم هو ما إذا كان لهذا المعسكر الدولي ولإدارة أوباما، تحديدا، ما تفعله إزاء المأزق السوري. إن أي خطة سياسية عسكرية جادة يمكن أن تغير توازن القوى على الأرض في سوريا، وبالتالي يمكن أن تحد من الفاشية المتأصلة في سياسة روسيا، والتي تمنع التوصل إلى حل سياسي.


كاتب فلسطيني سوري

8