الفاشية المقنعة بين السيء والأسوأ على ضفتي الأطلسي

الأحد 2018/01/21

إذا كان العالم يحفل بالكثير من الدول “الحثالى”، على حد تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإنه بلا شك يحفل أيضا بالكثير من الحكومات الفاشية المتدثرة برداء الديمقراطية.

إن الدول التي تفرض قيودا مجحفة وإجراءات بيروقراطية معقدة بوجه الهجرة والمهاجرين واللاجئين فوق أراضيها، بدعوى الموانع التي تفرضها القوانين المحلية، هي دول لا يمكن الوثوق في خطابها السياسي الرسمي على الرغم من أنها تدعي الانفتاح والتسامح واحترام الديمقراطية وتؤمن بكونية حقوق الإنسان.

ويأتي التصريح الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتفضيله لهجرة الأنغلوساكسون بدل الأفارقة والهايتيين، ليعري الكثير من ازدواجية المعايير والنفاق الدولي في التعاطي مع ظاهرة الهجرة وحقوق المهاجرين. وربما ميزة ترامب في هذا، حتى وإن كان محسوبا على اليمين، أنه ينطق علنا بما يضمره جزء كبير من الساسة وقادة الرأي في الولايات المتحدة.

ومع أن أميركا أمّة قامت على سواعد المهاجرين وبنت ريادتها بفضل توافد الأنغلوساكسون كما باقي الوافدين الأوروبيين ومن أميركا اللاتينية ومختلف شعوب العالم دون نسيان السكان الأصليين، فإنها لا تقدم اليوم المثال الأفضل لمجتمع “مزيج الوعاء” الذي طالما تغنى به المؤسسون.

وعلى العكس من ذلك، فإن المسار السيء الذي تسلكه إدارة ترامب لا يكتفي فقط بمعاداة المهاجرين واللاجئين بل إنه ينفض الغبار عن مئات الآلاف من المقيمين الوافدين منذ سنوات طويلة داخل الولايات المتحدة ليتحولوا بين ليلة وضحاها إلى مهاجرين غير مرحب بهم ومهددين بالطرد، مع أن أغلبهم يمتع بإقامات مؤقتة في ولاية الرئيس السابق باراك أوباما.

وإذا كان مناصرو ترامب يجدون في شعار “أميركا أولا” مبررا للسياسات الحالية المناهضة للهجرة والانفتاح، فإنه يتوجب في المقابل السؤال عن المستفيدين من هذا الشعار، وما إذا كان القصد منه منح الأولوية لأحفاد المكتشفين للعالم الجديد أم أبناء المؤسسين والمستعمرين الأنغلوساكسون والفرنسيين، أم السكان الأصليين من الهنود الحمر، أو حتى ربما عصر ما قبل كريستوف كولومبس.

شعار أميركا أولا قد يحولها إلى أميركا المعزولة

وفي كل النماذج المشار إليها وهي المكونة للهوية الأميركية المعاصرة اليوم، لا يجد الشعار الجديد أي مبرر له على أرض الواقع، سوى أنه يتضارب مع القيم التي نادى بها الرئيس أبراهام لينكولن ويتعارض أخلاقيا مع حقيقة تأسيس الولايات المتحدة وتشكل ملامح المجتمع الأميركي القائم في جوهره على التنوع والانصهار.

لا شك أن العالم، ولا سيما الحلفاء التقليديين على الجهة المقابلة من الأطلسي، يرقب ما ستؤول إليه التحولات المثيرة على السياسة الأميركية والخطاب الأميركي عموما، ليس فقط فيما يرتبط بالهجرة وإنما أيضا فيما يتعلق بمستقبل التجارة العالمية والأمن ومكافحة التغير المناخي،

في ظل سياسة التملّص التي تبديها إدارة ترامب.

لكن سيكون أيضا من باب الإجحاف أن تقتصر الهواجس وحالة الترقب عما سيبدر مستقبلا من الإدارة الأميركية اليمينية فحسب. إذ ربما يتعين على الأوروبيين بالذات أن يعدلوا منصات نقدهم الموجهة إلى واشنطن بنفس القدر إلى الداخل، على الأقل فيما يرتبط بملف الهجرة وحقوق الإنسان.

ومن واشنطن إلى برلين وإلى عدة عواصم غربية وحتى عربية، تتجاهل الحكومات المحلية أكثر من أي وقت مضى ما تقره القوانين الدولية، ليس أقلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) واتفاقية جنيف (1951)، بل هناك التفاف على تلك الالتزامات الدولية عبر فرض إجراءات غير أخلاقية وحواجز ترتقي إلى الممارسات الفاشية بوجه اللاجئين، ضد الحق في الإقامة الدائمة والعمل، وبشكل خاص الحق في لم الشمل العائلي.

وفي ألمانيا، التي فتحت ذراعها لنحو مليون مهاجر أغلبهم سوريون، بعد انتشار صور الطفل الكردي الغريق آيلان في رحلة لجوء من تركيا، يعيش اليوم مئات الآلاف تحت هاجس الخوف من الترحيل بينما يعاني الكثيرون من صعوبات كبرى في لم شمل عائلاتهم بسبب عدة تعقيدات بيروقراطية وشروط مجحفة. وقد يجد الكثير من المهاجرين أنفسهم يدفعون كلفة التفاهمات السياسية لأحزاب الائتلاف الجديد في برلين بشكل خاص في ملف الهجرة الشائك.

فرنسا نفسها مهد التنوير وحقوق الإنسان الكونية، ليست بعيدة عن الجدل الأخلاقي. فمع أنها كانت ربحت معركتها الانتخابية بإعلانها بأغلبية ساحقة رفض القيم اليمينية للجبهة الوطنية والانقلاب على الإرث التنويري، فإنها تبدي اليوم تململا يتجه إلى وضع قيود جديدة أكثر صرامة على الهجرة واللجوء.

ومن المتوقع أن تصاغ هذه القيود ضمن قانون جديد تستعد الحكومة لمناقشته قريبا، حيث سيتيح بحسب التسريبات الأولى في الصحافة الفرنسية، الفصل أكثر بين طالبي اللجوء والمهاجرين الاقتصاديين بجانب تعقب المهاجرين غير الحائزين على إقامات على نحو مخالف للسياسات السابقة، ما يعني عمليا ارتفاع متوقع لعدد المرحّلين مستقبلا.

لا يمكن لمثل هذه الإجراءات المتشددة أن تخدم الإنسانية بقدر ما تسهم في تفكيك الأسر ونشر اليأس والإحباط لدى المهاجرين وزيادة المزيد من الحواجز بوجه حرية التنقل، والأهم من ذلك فإن هذه السياسات تستدعي بكل وضوح مراجعة القيم الليبرالية التي سوّق لها الغرب ومعايير الحقوق الكونية ومدى إلزامية القوانين الدولية، خاصة لدى دول تعرف نفسها اليوم كحاملة للواء الإنسانية والديمقراطية.

كاتب تونسي

6