"الفاضل" العراقي الطائر بلغته التي تفيض شغبا

رسام يقف بين السخرية والألم لا ليقارن بينهما بل ليدعم أحدهما بقوة الآخر، هما سلاحاه الوحيدان في مواجهة العالم بعد أن عاش حياته كلها غريبا.
الأحد 2018/05/20
مواطن كوني أعماله غريبة ومسافرة مثله

يوم تعرفت عليه نهاية سبعينات القرن الماضي كان متمردا على الصفة التي ستلصق به بسبب دراسته. لم يكن مقتنعا أن صفة “رسام” تمثل حقيقته. حقيقة ما يفكر فيه وحقيقة وظيفته في الحياة. وهو ما يشير إلى عصف صفاته الشخصية الخفية وإلى احتدام علاقته بالفن.

تلك العلاقة التي يغلب عليها طابع التوتر والتفجر والشغف المجنون وإلى طريقة تفكيره في الفن. تلك الطريقة التي تمسك من خلالها بصفائية الحلول الجمالية التي تنطوي على شيء من الألم، في إمكانه أن يكفي لصنع حياة مجازفة، لن تكون رخية أبدا.

عدو الجمال المتاح

لقد عاش الفاضل تلك الحياة المضطربة بسعادة، بالرغم من كل ما انطوت عليه من شظف وزهد وشعور بالغنى الذي هو من وجهة نظر الآخرين مجرد وهم. لم يحز على ذلك الرضا إلا بعد أن صار التخلي عن الصفات المتاحة هو رقمه السري.

 

فاضل العكرفي يعد من أوائل الفنانين العرب الذين انتبهوا إلى أن مصير الفن في العالم مرتبط بالأسئلة التي تطرحها الفنون المعاصرة، التجهيز وفن الحدث والفيديو آرت والفن المفاهيمي وفن الأرض والفوتوغراف وفن الأداء الجسدي وسواها من الفنون التفاعلية

الفاضل يمس الأشياء ليختبر عاطفتها لا ليمتلكها. في المقابل فإنه حرص على ألا يسمح لصنيعه الفني بأن يستولي عليه. علاقته بالأشياء التي ينتجها هي صدى لعلاقته بالحياة كائنا خفيفا يُفضل ألا يُرى إلا من خلال ما يفعل.

في كل مرة ألتقيه فيها كان يبدو فيها أكثر حرصا على أن يهبني صورة مختلفة عن الفنان الذي يحلم في أن يكونه. قبل أن تبدأ الحرب العراقية ــ الإيرانية غادر إلى روما فالتقيته هناك، ثم التقيته في بغداد مشاركا في مهرجان بغداد للفن العالمي عام 1988. عام 2007 التقيته في باريس. يومها كان مقيما في المدينة العالمية للفنون.

في المرات الثلاث لم يكن هو الشخص نفسه. كان يتغير لأن معرفته بالفن كانت تتغير. 

فاضل، وهو اسمه الشخصي قبل أن يضيف إليه أل التعريف، الذي هو من الأشخاص القليلين ممَن قابلتهم في حياتي الذين يعرفون ما الرسم، كان منذ لقائنا الأول في بغداد يحلم في الوصول إلى منطقة ما بعد الرسم.

كنت أقيم في بغداد التي عزلتها الحروب وكانت رسائله يومها نافذتي الوحيدة على العالم. يمكنني أن أتذكر هنا أنه أخبرني ذات مرة بموت جوزيف بويز الذي شغفت في ما بعد باختراقاته العظيمة في مجال الفنون المعاصرة وبالأخص نظريته في الفن الاجتماعي.

قطعا لا يبدو فاضل مقنعا بالنسبة للمدافعين عن القيم الفنية النمطية. ذلك لأنهم لا يعرفون أنه بقدر ما يقاطع عالمهم الذي يعتبره ساذجا بقدر ما ينسى ما أنجزه شخصيا في أوقات سابقة. إنه كائن ينتمي بقوة إلى المستقبل. لا شيء منه يذكر بالماضي. لا ماضي الجماعة ولا ماضيه الشخصي. لقد ضحى بكل شيء من أجل أن يكون فنانا وصنيعا فنيا في الوقت نفسه. وهي تضحية لا يفهمها كثيرون. 

رجل الحقيقة

ولد فاضل علي حسين العكرفي في الكوت جنوب العراق عام 1954. درس الفن في معهد الفنون الجميلة ببغداد وتخرج منه عام 1977 وكان رسول علوان هو معلمه الأثير. حين انتقل للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، لم يكن مقتنعا بأنه يفعل الشيء الصحيح لذلك غادر العراق إلى روما ليدرس الفن هناك.

Thumbnail

درس الفن في أكاديمية الفنون الجميلة بفلورنسا ولجأ أول الأمر إلى الانضمام إلى حشود رسامي الساحات لتغطية نفقات حياته ودراسته، غير أنه بعد وقت قصير أدرك أن المال الذي يحصل عليه من تلك المهنة سيؤدي إلى تدمير علاقته النزيهة بالفن.

وحين انتقل إلى سويسرا للعمل والإقامة كان قد أمسك بالخيوط التي تقود إلى شخصيته الحقيقية فنانا معاصرا شاملا.

أعتقد أنه من أوائل الفنانين العرب الذين انتبهوا إلى أن مصير الفن في العالم مرتبط بالأسئلة التي تطرحها الفنون المعاصرة، التجهيز وفن الحدث والفيديو آرت والفن المفاهيمي وفن الأرض والفوتوغراف وفن الأداء الجسدي وسواها من الفنون التفاعلية، وكان ذلك الاكتشاف قد غير حياته.

لقد عثر فاضل يومها على ما كان يبحث عنه حائرا في بغداد. ألهمته تلك الفنون سيرة حياة كان يتمنى أن يعيشها بعمق وحرية. وهو ما فعله بيقين مَن خُلق من أجل أن يكون كائنا رؤيويا.

حين وجد فاضل أن مغامرته في العيش النافر والمستقل قد أثمرت عن نتائج عظيمة، أقلها ذلك الانسجام الذي تحقق ما بين ما كان يحلم به وبين ما صار العالم يفكر فيه حلا لمشكلاته السياسية والاجتماعية والبيئية والثقافية فإنه سار في دروب المتاهة قدما.

ولأنه مقاتل من أجل الحرية فقد سعى فاضل إلى ألا يحول انزعاج الآخرين بينه وبين أن يقول الحقيقة مهما كانت مزعجة. كان ولا يزال ثوريا من غير أن يتخلى عن سخريته من العقائد. ذلك لأن إنسانيته ارتقت به فوق سوء الفهم الضيق الذي تنطوي عليه السياسة وإن كان فنه في الجانب الأعظم منه سياسيا.

يعيش الفاضل اليوم متنقلا بين برلين ولوغانو السويسرية.   كما لو أنني أخونه حين أكتب عنه بطريقة تقليدية. ما لا يليق بهذا المشاغب الكبير أن ننظر إليه بعينين مغلقتين على المفاهيم الفنية الجاهزة. هذا الفنان هو ابن محاولته التي لم تُنجز بعد. فهو لا ينظر إلى عمله الفني من جهة كماله بل من جهة قدرته على الاستمرار في أن يظل ناقصا.

Thumbnail

 وهو ما يسمح له بالعودة إلى أفكار لم تعتق لأنها ظلت تختبر حيويتها في العالم الواقعي قبل الصنيع الفني. ذلك ما جعل الفاضل وهو فنان أفكار قادرا على اختراع صور جديدة لعلاقات سبق له أن فكك عناصرها في أعمال سابقة.

ما حققه الفنان في ذلك المجال يكاد أن يكون استثنائيا في ظل النمطية التي أورثت ناشطي الفنون المعاصرة نوعا من التشابه الذي ظهروا من خلاله كما لو أنهم نسخ من أصل لا وجود له. عثر الفاضل على لغته التي صارت تتقدمه في كل ما يفعل بغض النظر عن التقنية التي يظهر من خلالها.

يمكنك أن تتعرف عليه بيسر في الرسم والتجهيز والأداء الجسدي والمفاهيمية وفني الفيديو والفوتوغراف. وكما أرى فإن الفاضل وهو المعروف بمزاجه المشدود بتوتر قد وجد في تلك الفنون فرصته

لالتقاط مفردات لغته التي تنطوي على إيقاع شخصي، لا يذكر إلا به. في معادلة الفاضل هناك لغة تنتج مزاجا ومزاج ينتج لغة.

تلك المعادلة وهبته مفاتيح كثيرة مكنته من فهم عملية التفاعل التي ينطوي عليها الفن المعاصر وهي اختباره الوحيد في ظل عزوفه عن الجماليات المتاحة التي صارت بالنسبة له بمثابة تعليق زائف.

مقهى بغداد حيث العالم

وهبني الفاضل شيئا من قدرتي على مواجهة الحنين بقلب صلب. ففي عاطفته الكثير من عقلانية لا تنسجم مع الفوضى التي يثيرها ظهوره. وكما يبدو فإن الفنان قد وضع في وقت مبكر مسافة بينه وبين المفاهيم العامة التي يستعملها السياسيون من أجل تمرير أكاذيبهم. لذلك لم تمر علاقته بالعراق وهو بلده من خلال الشعارات الساذجة التي يتخفى وراءها السياسيون.

 كانت علاقته بالعراق نوعا من المكيدة العاطفية الشخصية التي لا يمكن التعرف عليها بطريقة مباشرة. لا يُعنى الفاضل بحب الشيء بقدر ما يعبر ذلك الحب عن وجوده من خلال درجة الاهتمام الذي يظهره الفنان بذلك الشيء.

عام 2003 عمت التظاهرات المليونية العالم احتجاجا على مشروع غزو العراق فعقد في مدينة لوغانو مؤتمر عالمي ضد الحرب وطُلب من الفاضل رسم لوحة تشير رمزيا إلى هدف المؤتمر. 

Thumbnail

يومها رسم الفنان خارطة للعالم وعنون اللوحة بـ”مقهى بغداد”. حين انتهى المؤتمر قام الفنان بتقطيع لوحته ووزع أجزاءها على الحاضرين القادمين من مختلف أنحاء العالم، طالبا من كل واحد منهم تطريز شيء ما يرمز للسلام على الجزء الذي استلمه ومن ثم إعادته بعد سنة. حين عادت تلك الأجزاء تم لصق بعضها بالبعض الآخر بما يشي بولادة عمل جديد.

“مقهى بغداد” الذي زار الشارقة عام 2014 عُرض في مدن عالمية عديدة. عاش ذلك العمل مسافرا مثله في ذلك مثل صاحبه.

هل جرب أحدكم أن يقرأ شعرا بالعربية في قطار يخلو من الناطقين بالعربية؟ هذا ما فعله الفاضل في لحظة أداء عاطفية، تمتزج فيها السخرية بالألم.

يوم أقام معرضه الشخصي في برلين عام 2016 استوحى العنوان من لوحة إعلان صورها في الشارقة وقد كان مكتوب عليها “حفريات عميقة”. لمَ لا تكون حفرياته في الروح عميقة هي الأخرى؟

جناح العراق

يقف الفاضل بين السخرية والألم لا ليقارن بينهما بل ليدعم أحدهما بقوة الآخر. هما سلاحاه الوحيدان في مواجهة العالم بعد أن عاش حياته كلها غريبا.

يوم لم يكن للعراق جناح في بينالي فينيسيا حرص الفاضل على أن يطبع جملة “الجناح العراقي” على قمصان وزعها على الزوار. فكان للعراق وهو بلد محاصر جناح يتنقل بخفة ملاك.

 وفي عام 2010 أنجز عمله بتقنية الفيديو الذي ظهر فيه حارسا لبوابة عشتار ببرلين. كان مواطنا فخريا في وطن صار الكثيرون يشكون في وجوده. أما حين شارك في معرض للبورتريه الشخصي فإنه اكتفى بإطار مستعار من عصر النهضة فيما خلت اللوحة من وجهه. مَن يعرف الفاضل كما أعرفه لا بد أن يرى وجهه الغائب. إنه المواطن الكوني الذي إن مس حجرا ترك عليه أثرا من روحه لا يزول.

9