الفانتازيا في المغرب ركض الفرسان ضد نسيان تراث التبوريدة

تعتبر الفنتازيا أو عروض الفروسية، نوعا من استعادة تاريخ الفرسان المغاربة كمحاربين شجعان، واستعادة بعض من أساليب الحروب التي خاضوها، وأيضا يمكن اعتبارها نوعا من استمرارية جزء من بطولاتهم التي أنجزوها وهم يحاربون المستعمر ويردون الغزاة عن الثغور المغربية، سلاحهم “المكحلة” (البندقية). وقد تحولت هذه الفانتازيا أو “التبوريدة” من طقس حربي إلى فن فولكلوري فرجوي يضيع فيه المتفرج بين الواقع والخيال.
الخميس 2017/10/19
سباق الشهامة

الجديدة (المغرب) - يبرز فضاء فنون الفروسية التقليدية (الفانتازيا)، الذي يؤثث فعاليات الدورة العاشرة لمعرض الفرس المقام حاليا بمدينة الجديدة، الاهتمام البالغ بتقاليد الفروسية وموروثها كرمز للذاكرة الثقافية المغربية.

ويعد الفضاء رمزا للتواصل بين الأصالة والتقاليد، التي تشكل جزءا من ثقافة المملكة وتاريخها التليد، والحداثة باعتبار أن هذا التراث يلتف حوله الشيوخ كما الشباب مما يضمن انتقاله من الرعيل الأول إلى الجيل الصاعد.

وتشهد منافسات الفروسية التقليدية المغربية، إلى جانب الأنشطة المتنوعة والثريّة للمعرض المنظم هذه السنة تحت شعار “معرض الفرس .. عشر سنوات من الولع والاعتزاز”، مشاركة أسراب من الخيول تمثل مختلف جهات المملكة، وهذا ما يعكس تزايد الاهتمام في السنوات الأخيرة بـ”التبوريدة”، التي تشكل جزءا من ثقافة المملكة وهويتها الحضارية.

والتبوريدة، المشتقة من كلمة البارود، هي أحد الطقوس المغربية الأصيلة، التي تحاكي قيام الفرسان برقصات احتفالية ابتهاجا بالنصر، ولا تزال التبوريدة إلى اليوم شاهدة على فانتازيا الخيالة في المغرب.

ويؤكد ذلك الباحث في الفولكلور والتراث المغربي عبدالله السايح فيرى أن “الفروسية الاستعراضية -أو التبوريدة- كانت من ضمن التراث التاريخي الذي يبرز شجاعة القبائل المغربية في مواجهة البلدان المستعمرة، فقد كانت الفروسية إحدى وسائل الجهاد والكفاح ضد المحتلين للأرض والمعتدين على حرمات البلاد والعباد”.

وتتضمن منافسات الفروسية التقليدية عروضا تقدمها الأسراب، التي يضم كل واحد منها 14 فارسا وفرسا إضافة إلى “العلام” أو “المقدم”، وتكون في غاية الانضباط لتنفيذ مراحل التبوريدة بدقة متناهية.

الزي التقليدي للفرسان يتكون من الجلابة والسلهام والعمامة والسروال الفضفاض والخنجر والمكحلة (البندقية)

ويحرص الفرسان على ارتداء الزي التقليدي الذي يتكون من “الجلابة” و”السلهام” والعمامة والسروال الفضفاض، ويتمنطقون بالخنجر “الكمية”، فيما ينتعل كل فارس نعلين من النوع العالي، أما السلاح التقليدي لفنون الفروسية التقليدية فيتمثل في البندقية المعروفة في اللهجة المغربية بـ”المكحلة” وتكون مرصعة بخطوط ونقوش متموجة.

وتضفي السروج، التي تبدع أيادي صناع مهرة في تطريزها برسومات مستمدة من التراث المغربي الأصيل، على صهوات الخيول رونقا وجمالا وعلى الفرسان وقارا وهيبة، إذ تبرز مكانتهم الاجتماعية وحظوتهم في القبائل التي ينتمون إليها.

وقبل أي انطلاقة يستعرض المقدم فرسانه قبل أن تدخل المجموعة إلى فضاء العرض (المحرك) وتبدأ بتحية الجمهور (الهدة أو التشويرة أو التسليمة). إثر ذلك يعود الفرسان إلى نقطة الانطلاقة، حيث يصطفون في خط مستقيم في انتظار إشارة “المقدم”، لتنطلق الخيول في سباق بديع يبرهن خلاله الفرسان عما يتوفرون عليه من مهارات سواء بالنسبة إلى السيطرة على الجياد لإبقائها في الصف أو في ما يخص الحركات الدائرية التي يؤدونها ببنادقهم قبل تنفيذ الطلقة بالبارود.

ويأتي معرض الفرس كل سنة إيذانا بانطلاق موسم مهرجانات ومسابقات التبوريدة، التي تحتضنها مختلف جهات المملكة وتتبارى فيها القبائل من أجل اختيار أحسن سرب لتمثيلها في أسبوع الفرس، الذي أضحى موعدا سنويا، بفضل الجهود التي تبذلها الجامعة الملكية المغربية للفروسية حرصا منها على تشجيع الإقبال على ممارسة هذه الرياضة المتجذرة في الثقافة المغربية خاصة من طرف الشباب.

ولضمان الخلف وحرصا على استمرارية هذا الموروث الثقافي الأصيل وانتقاله من الرعيل الأول إلى الجيل الصاعد، تم تخصيص مسابقة للناشئين يتبارون خلالها بدورهم ضمن أسراب تخضع للمعايير والضوابط ذاتها مثلما لدى الكبار.

ولم تعد تظاهرات فنون الفروسية التقليدية في المواسم والمناسبات الدينية والوطنية فضاء فلكلوريا يحتكره الرجال، حيث أصبح للمرأة حضور متميز وباتت بدورها تقود أسراب “الخيالات” بالكفاءة والحماس ذاته.وكانت أول فرقة نسوية للتبوريدة بالمغرب قد تأسست سنة 2003 وتنتمي لإقليم الجديدة قبل أن تنضم إلى ركب الخيالات فرق نسوية أخرى أظهرت علو كعبها في هذا الميدان، خاصة من أقاليم بنسليمان والمحمدية وإيفران، وهو ما يعتبر تجربة جاءت لإضفاء روح جديدة على هذا الفن الأصيل، لكن بصيغة المؤنث.

فارسات الشجاعة والحرفية

ويعد معرض الفرس لمدينة الجديدة، محطة هامة للتعريف بالفرس وتكريس الاهتمام الموصول بتقاليد الفروسية المرتبطة بالهوية الثقافية المغربية.

ويعكس مدى الاهتمام بتربية الخيول بحكم الارتباط الثقافي للمغاربة بالفرس واستعمالاته المتعددة (فنون الفروسية التقليدية والأعمال اليومية بالبوادي وسباقات الخيل ومسابقات القفز على الحواجز…).

المعرض فرصة لاكتشاف مختلف سلالات الخيل في روعتها، سواء منها العربي الأصيل أو البربري أو الإنكليزي العربي، وذلك من خلال المعارض والمحاضرات ومسابقات الخيول الأصيلة.

ويتحول المعرض في كل سنة إلى قبلة لكل عشاق الخيل للتعرف عن قرب على ما وصلت إليه تربية الخيول وما يرتبط بها، بالنظر لكون الفرس يعتبر جزءا لا يتجزأ من تاريخ الثقافة المغربية.وتكمن المهمة الأساسية لهذا المعرض، الذي تنظمه جمعية معرض الفرس، في استعراض الخيول وكل ما يتعلق بها، حيث تقترح التظاهرة العديد من الفضاءات، كل واحد منها يتطرق لمجال محدد، ليكون الكل ضمن مفهوم معماري فريد يستلهم عالم الفرس، بمرابطه وحلباته وحظائره وحواجزه.

يذكر أن المغرب قطع شوطا كبيرا في الحفاظ على هذا الموروث الثقافي وتحديد السلالات والحفاظ عليها، إذ عمل على استعمال برنامج معلوماتي متطور لتوفير سجلات رسمية لجميع الخيول بالمغرب تتضمن كل المعلومات عنها منذ ولادتها، إضافة إلى إنشاء مختبر، يعدّ الثاني من نوعه بأفريقيا، لتحديد السلالات من خلال ضبط الحمض النووي.

ومن بين الإجراءات الاستراتيجية التي اعتمدها المغرب في هذا السياق، اقتناء فحول ذات جودة عالية لغرض تحسين النسل وتخصيص منح عند ولادة المهور بالإضافة إلى تأهيل الأطارات المشتغلة في هذا المجال، بغية تشجيع إنتاج الخيول بصفة عامة والحصان البربري والعربي البربري بصفة خاصة.

20