"الفتاة الدنماركية" فيلم يجسد عذاب السجن في جسد الآخر

قدمت السينما العالمية عددا قليلا من الأفلام التي تدور حول ما يسمى بـ"الجنس المتحول" أو الحائر المسجون في جسد جنس آخر، رجلا كان أم امرأة، لعل من أشهر هذه الأفلام فيلم “فتاة مثلي” (2006) للمخرجة أنجليكا هولاند، ويروي قصة غوين أروجو، الفتاة الأميركية التي قتلها أربعة من الشباب في كاليفورنيا كان أحدهم قد أقام معها علاقة، بعد أن اكتشفوا أنها ذكر وليست أنثى، وهناك أيضا فيلم “إفطار في بلوتو” (2005) لنيل جيرمان، الذي يصور كيف يغادر شاب بلدته في أيرلندا قاصدا مدينة لندن للبحث عن أمه، وأيضا ليتحرر من ذكورته التي يرفضها لأنه لا يشعر بها، ويعيش مثل فتاة كما يميل.
الجمعة 2015/10/09
إيدي ريدمين يتألق في تجسيد دور"ليلي"

المخرج البريطاني توم هوبر، يعود بفيلمه الجديد الجريء “الفتاة الدنماركية” الذي يتناول موضوع “الجنس المتحول”، حيث يجد المرء نفسه في الجنس الآخر ويشعر بانتمائه إليه رغم وجود عضو جنسي ذكوري لديه، كما في الحالة التي نحن بصددها في هذا الفيلم، وهو أول فيلم يخرجه توم هوبر منذ تحفته “خطاب الملك” (2006).

يعتمد الفيلم على سيناريو لوسيندا كاستون المعد عن رواية الكاتب الأميركي ديفيد إيبرشوف التي صدرت عام 2000، والتي تستند بدورها إلى القصة الحقيقية لحياة الرسام الدنماركي إينار ويغنر أو “ليلي”، أول شخص يمر بعملية تحويل جنسي، أو حسب المصطلح الذي صار أكثر قبولا اليوم عملية “تأكيد للجنس”، ليتحول من رجل إلى امرأة.

والفيلم يدور في الفترة من 1926 إلى أوائل الثلاثينات، حينما لم يكن هذا النوع من “عمليات التحول” قد أصبح معروفا أو شائعا بعد، كما لم يكن التعبير الصريح عن المشاعر الحقيقية للفرد من ناحية ميوله الجنسية قد أصبح شائعا كما هو اليوم.

رغبة في التحول

يصور الفيلم العلاقة بين ويغنر وزوجته الحسناء غيردا، وهي بدورفنانة تشكيلية، والاثنان يعيشان معا، يتخذان لهما مرسما في بلدة دنماركية صغيرة، يلهوان ويمرحان ويستمتعان بحياة زوجية وجنسية سعيدة يحسدهما عليها الجميع.

غيردا لا يمكنها بيع لوحاتها التشكيلية بسهولة بينما تحتاج إلى المال، يقول لها مدير المعرض الذي يرفض قبول لوحاتها الأخيرة، إنها تتمتع بالموهبة دون شك، غير أنها في حاجة لتغيير أسلوبها والبحث عن مادة جديدة مثيرة مختلفة. وذات يوم تطلب غيردا من زوجها ويغنر أن يرتدي ملابس نسائية، ويتخذ وضعا معينا في تجربة لرسمه.

يرحب ويغنر بالفكرة على سبيل اللهو، تدخل عليهما صديقة راقصة تضحك وتمرح معهما وتطلق على ويغنر اسم “ليلي”. تدريجيا، يبدأ ويغنر في الشعور بالتحقق والإحساس بذاته أكثر في شخصية ليلي.

ومن هنا يبدأ التحول النفسي الواضح الذي سيجعل الحياة بين ليلي وغيردا تمرّ بمصاعب كثيرة، فليلي تصرّ على الخروج صحبة غيردا، حيث يترددان على الأماكن العامة والسهرات والحفلات.

توم هوبر مخرج من طراز رفيع، فهو يجيد استغلال الديكورات والأماكن الخارجية، ويخلق أجواء كلاسيكية رصينة

وفي إحدى هذه الحفلات تلتقي ليلي بشاب يدعى هنريك ينجذب إليها ويطري على جمالها، ثم يحاول إغواءها مدركا أنه أمام رجل متنكر في ثياب فتاة، وتذهب إليه ليلي بدافع من تريد أن تشعر بأنها فتاة مرغوبة، ولكن لا يتجاوز الأمر قبلة، تنتهي بفرار ليلي من المكان بعد أن تفاجئه غيردا في هذا الوضع الشائن.

غيردا حائرة في أمر علاقتها بزوجها، تدفعه للتردد على أكثر من طبيب، منهم من يقول لها إنه مجنون، ثم يستدعي له العاملين بمستشفى الأمراض العقلية الذين يحاولون في مشهد طريف وصادم، القبض على ليلي ودفعه لارتداء قميص المجانين، لكنه يتمكن من الفرار. طبيب آخر يقول إنه يعاني من الفصام، وطبيب ثالث يصف بعض الأدوية المضادة للاكتئاب والاضطرابات النفسية، لكن هذا كله لا يجدي.

تلقى رسوم غيردا الجديدة إقبالا كبيرا، وتدعى للمشاركة في معرض بباريس، تجدها فرصة لعرض ليلي على جرّاح شهير هناك، يقال أنه رائد في عمليات التحول الجنسي. وفي مشهد يدور في حديقة عامة تتعرض ليلي للاعتداء العنيف من جانب مجموعة من الشباب الصعاليك الذين يسخرون من ملابسها ومن شكلها وطريقة تزيّنها، ويتساءلون بسخرية عما إذا كانت ولدا أم فتاة، ثم ينهالون عليها بالضرب المبرح.

في باريس يلتقي الاثنان بصديق قديم لفيغنر من أيام الدراسة، هو هانز الذي يبدي اهتماما خاصا بغيردا، ويقف بجوارها في أزمتها وهي تقف بدورها مع فيغنر الذي يريد بكل قوة وعزيمة وتصميم، أن يصبح ليلي. في نهاية الأمر، تتم العملية الجراحية، ثم تُجرى عملية ثانية لليلي لزرع عضو جنسي أنثوي لها، وبعد فترة ينتهي الأمر بوفاة ليلي.

هذا هو موضوع الفيلم الذي يجترئ على تقديم هذه القصة بكثير من التصرف بالطبع، فالشخصية الحقيقية مثلا، أجرت في الحقيقة 5 عمليات جراحية، كما أنها لم تمت إلاّ بعد أن تجاوزت الخمسين من عمرها.

قصة حب

سيناريو الفيلم مكتوب بحيث يركز على قصة الحب الأسطورية التي تجمع بين ليلي وغيردا. فغيردا تحب ويغنر حبا شديدا، تريده لنفسها كما كان، زوجا جميلا حنونا متسائلة أمامه “متى سأسترد زوجي؟”، إلاّ أنها في الوقت نفسه لا تملك بسبب حبها الكبير له، سوى أن تتعاطف معه في شعوره الذي لا يملك له دفعا، خصوصا بعد أن تفشل محاولاتها لعلاج تلك “الحالة”، وبعد أن تصل إلى قناعة بأنها أمام رغبة “طبيعية”، كما يؤكد لها ويغنر “لقد أرادني الله على هذا النحو”.

سيناريو الفيلم مكتوب بعناية شديدة، حيث يركز على قصة الحب الأسطورية التي تجمع بين ليلي وغيردا

ورغم استسلام غيردا لفكرة إجراء العملية وبالتالي فقدان ويغنر- ليلي إلى الأبد كزوج، إلاّ أنها تبقى إلى جواره حتى بعد أن تكون قد أصبحت أكثر ميلا إلى الاستجابة لمحاولات هانز الوصول إلى قلبها. لا شك أن توم هوبر مخرج من طراز رفيع، فهو يجيد استغلال الديكورات والأماكن الخارجية، يرسم بعناية تفاصيل حركة الكاميرا، يخلق أجواء كلاسيكية رصينة، كما كان الأمر في “خطاب الملك”، مجسدا أجواء العشرينات الأوروبية بكل ما يعتريها من قلق وتمرد وصراعات فنية جديدة ورغبة في الخروج عن المألوف.

ويستخدم هوبر انعكاس صور ليلي في المرايا وازدواجية الصور كأداة لتجسيد الانقسام بين الحالتين، كما يستفيد من الخلفية الموسيقية المدهشة الميلودية- الحزينة التي كتبها ألكسندر ديسبلات.

ويستغل العلاقة بين تصميمات اللوحات التشكيلية التي ترسمها غيردا وبين ملامح شخصية ليلي في ملابسها وماكياجها. ويحوّل المكان الذي ترسم فيه غيردا لوحاتها إلى شبه خشبة مسرح، يقترب بالكاميرا كثيرا من الوجوه لترك تأثير عاطفي على المشـاهدين.

ورغم إتقان كل جوانب “الصنعة” في فيلم “الفتاة الدنماركية” إلى حدّ الكمال (تصوير، ديكور، تنسيق مناظر، أزياء، موسيقى) إلاّ أن أكثر عناصره بروزا هو التمثيل.

ويبرع هنا بوجه خاص الممثل البريطاني إيدي ريدمين الذي حصل على الأوسكار عن دور عالم الرياضيات ستيفن هوكنغ في فيلم “نظرية كل شيء”، الذي يتألق هنا في دور ليلي، كما تتألق بشكل ملفت، الممثلة السويدية الجميلة أليسيا فيكاندر في دور غيردا.

كلاهما شاركا معا في تشكيل لوحة تمثيلية تتميز بالأداء الرفيع، في نوع من الهارمونية والانسجام البديع النادر، ربما يكون قد شاب أداء ريدمين أحيانا، بعض المبالغات، بسبب تركيز السيناريو كثيرا على تصوير مشاعر ليلي المتمزقة ومعاناتها، ورغبة المخرج في أن ينقل للمشاهدين ممن لن يتقبلوا مثل هذا الموضوع بسهولة، الجانب الإنساني للقصة، فهو يريد أن يجعلها قصة معاناة وحب وتضحية وشجاعة.

ولعل هذه الرغبة في الضغط على كل تلك الجوانب دفعته إلى الوقوع في التكرار والاستطراد والضغط على المشاعر، حيث طغى الطابع الميلودرامي على الجزء الأخير من الفيلم.

16