"الفتاة الزيبرا" دراما نفسية تعزف على وتر الماضي

فتاتان تشتركان في الذكريات والجريمة.
الأحد 2021/06/06
فيلم الجريمة والكوميديا السوداء

في الدراما النفسية الاجتماعية هنالك وفرة من الحلول المتاحة والتي تدفع كاتب السيناريو والمخرج إلى الغوص في مستويات الشخصية في الوعي واللاوعي وفي الخبرات القاسية، فضلا عن الدوافع العميقة التي تدفعها إلى اتخاذ سلوكيات بعينها كما نرى في فيلم “الفتاة الزيبرا”.

في فيلم “الفتاة الزيبرا” للمخرجة الأميركية من أصول بريطانية ستيفاني زاري هنالك مساحة لمقاربات متنوعة عمدت إليها المخرجة، وهي مشاركة في كتابة السيناريو إلى جانب داريك أهونين الذي هو نفسه كاتب هذا العمل للمسرح، فقد أسسا لمزيج فريد من الكوميديا السوداء والجريمة والعنف والدراما النفسية.

لا شك أن هذا المزيج يحتاج إلى تقديم شكل فيلمي أكثر إقناعا وموضوعية ابتداء من الشخصية الرئيسية كاثرين (الممثلة ساره روي) التي هي محور الفيلم والعنصر الأساسي فيه، وهي الأكثر براعة في القدرة على الانتقال بين تحولات الشخصية المختلفة.

شخصيات مضطربة

الفيلم يضعنا في ذروة الحالات التي تعصف بالشخصيات في انتقالات متقنة بين الوعي واللاوعي والحاضر والماضي
الفيلم يضعنا في ذروة الحالات التي تعصف بالشخصيات في انتقالات متقنة بين الوعي واللاوعي والحاضر والماضي

تصدق هنا مقولة الباحثة وكاتبة السيناريو شارلوت بالن بصدد تلك البراعة الفريدة والقدرة على بناء طبقات تعبيرية للشخصية تتوالى لتقدم من خلالها الشخصية الدرامية في كل مرحلة وهي تحاول ما هو أكثر إمتاعا.

الشخصية في أزمة، هي خلاصة أولية يمكن استنتاجها منذ المشاهد الأولى التي تظهر فيها كاثرين، فهي ترى أشياء غير موجودة في الحقيقة، وليس مستغربا أن تتكرر لازمة ظهور العنكبوت في أحلامها وفي لاوعيها وهي مجرد إسقاط على هاجس مقلق ما يلبث أن يتجسم في العلاقة الإشكالية مع الزوج.

يضعنا كاتب السيناريو والمخرجة في ذروة الحالة التي تعصف بالشخصية، في انتقالات شديدة الإتقان والبراعة ما بين الوعي واللاوعي وبين الحاضر والماضي، وهنا التمكن في استخدام مشاهد فلاش باك بمزجها بالحاضر على أساس يقظة المشاهد وعدم الحاجة إلى الكتابة كالمعتاد عبارة قبل سنتين أو ما شابه.

والحاصل أن كاثرين بتدفق إحباطاتها والمشكلات النفسية والعقلية التي تعصف بها سوف تحيلنا إلى ماض وطفولة خلاصتهما علاقة عائلية مفككة، تظهر في مشاهد متتابعة هي خليط من الذكريات والتخيلات حيث البنت الوحيدة ليست على ود مع والدتها وهي الأقرب إلى الأب الذي سوف تنتهي علاقتها به حين تدرك بأنه يتحرش بها، فتقتله بضربة سكين وهي في سن الخامسة عشرة.

ها هي كاترين في لقائها الأول مع صديق تعرّفت عليه عبر الإنترنت لتتزوج به، وعلى كل منهما أن يكشف عن ماضيه، وهو أستاذ جامعي لديه علاقات سابقة، بينما هي فتاة بلا ماض سوى أنها قاتلة والدها ومتمردة على أمها.

لا شك أن من أكثر المشاهد إتقانا وحيوية هي المشاهد الحوارية المكثفة للقاء الأول بين دان (الممثل توم كولين) وكاثرين، هنا تختصر الكوميديا السوداء والشخصية السيكوباثية في كل متكامل شديد التماسك يبقى أثره ممتدا في ما يلي من أحداث الفيلم.

ولكي تتكامل شخصية كاثرين بانكشاف كامل ها هي تستدعي صديقة طفولتها من أصول أفريقية أنيتا (الممثلة جايد أنوكا) ومنذ لقائهما الأول بعد انقطاع سنوات سوف نكتشف ذلك النوع من العلاقة التي هي أيضا فيها من الطرافة على ما فيها من الغرائبية، لاسيما وأن الفتاتين تسترجعان أيام طفولتهما وتتشبث إحداهما بالأخرى ومن ثم قيامهما بكتابة رواية قصيرة نوفيلا تحت اسم ابنة الزيبرا والتي تنتهي نهاية تراجيدية.

ها هي كاثرين تسترجع جلسة التحقيق معها وهي في سن الخامسة عشرة وتكشف عن ولعها بتلك الرواية التي تنتهي بالتهام رأس الضحية، ثم ما تلبث أن تسترجع ذلك مع أنيتا وهي تدعوها ببساطة شديدة لمشاركتها عملية التخلص من جثة زوجها الذي قتلته لأنها ضبطته وهو يسهر إلى ما بعد منتصف الليل في المواقع الإباحية، بينما سوف تكتشف في ما بعد أنه كان يسهر على اختيار ملابس لوليدهما المنتظر ويكون الوقت قد فات ويكون الزوج قد انتهى أجزاء مقطعة.

دراما نفسية

هذه الدراما النفسية تتجلى فيها شخصية إشكالية عميقة التعبير، وبسبب ثقل الماضي وجراحاته الغائرة وكونه ما يزال يعيش مع كاثرين فإن المخرجة حرصت على اختيار شخصية لا تستطيع أن تفصلها من ناحية العمر عن سن المراهقة يوم ارتكابها جريمة قتل والدها، وها هي بنفس تلك المشاعر المبعثرة في مواجهة قتل الزوج والعودة مع أنيتا إلى أيام المراهقة وسذاجة ذكرياتهما ولعبهما معا.

على صعيد السرد الفيلمي والحبكات الثانوية المتلاحقة فقد تكاملت براعة المخرجة في منحنا متعة متكاملة طيلة الوقت الفيلمي وانعكس ذلك على لمسات بسيطة سواء في اخيتار أماكن التصوير، وذلك التنوع المكاني المميز والانتقالات الممتعة بين الأزمنة، لتتكامل في بث الحبكات الثانوية ومن أهمها على الإطلاق اكتشافها براءة زوجها من الأوهام التي كانت تتراكم في رأسها.

لا معنى للزمن ولا للحياة برمتها في وسط حالة السكون المرتبط بالضياع والشيزوفرينيا وسائر الخبرات القاسية المتراكمة في ذات كاثرين، والتي تنعكس على أنيتا التي لا تملك إلا التفهم والتسامح في علاقتهما معا.

 يندرج الفيلم في إطار الشخصيات المحدودة والأماكن المحددة والقليلة وهو من ذلك النوع من الأفلام غير مرتفعة الميزانية، ووجدنا أن كل ذلك قد تم توظيفه لتقديم فيلم ذي قصة موضوعية وحبكة رصينة وشخصيات بارعة في أدائها.

15