الفتاوى الدينية تقدم صورة معيبة ومنقوصة عن المرأة

آراء رجال الدين تشرع للعنف ضد النساء وتحرض على التحرش بهن.
الأحد 2020/11/15
البعض يتعامل مع الفتاوي كمقدس

تواترت في الفترة الأخيرة الفتاوى الدينية التي تقلل من قيمة المرأة وتختزلها في الجانب الجنسي. ولئن كانت المؤسسات الدينية تتسم سابقا بالاتزان في التصدي للفتاوى الجنسية الشاذة، فإن بعضها قد مضى على نفس المنوال، مما أدى إلى  سقوطها في دوامة الآراء المتحيزة ضد المرأة جنسيا، بدعوى أن دورها الرد على أسئلة طالبي الفتوى حتى ولو كانت غريبة وعنصرية.

أجابت دار الإفتاء المصرية قبل أيام على سؤال ورد إليها من مواطن يستفسر حول انتشار عمليات تجميل الثديين بين النساء، بأن “تكبير الصدر لتصبح المرأة جذابة حرام شرعا”. ثم أصدرت بيانا إعلاميا للرأي العام بنص الفتوى، وسط انتقادات كثيرة طالت المؤسسة الدينية من الخوض في مستنقع الهوى الجنسي، الذي أصبح يقتصر النظرة للمرأة على أنها خلقت للمتعة فقط.

ولم تكن فتوى تحريم المساس بحجم الصدر عند المرأة استثنائية لنوعية الفتاوى التي تصدر بشكل شبه يومي، وتحدد الأطر الشرعية لأجساد النساء، بل إن هناك حالة من الاستسهال في الآراء الدينية الشبيهة، قدمت صورة معيبة ومنقوصة عن المرأة، وحرضت على العنف ضدها، كأن كل ما تفعله مخالف لتعاليم الدين.

كانت بعض المجتمعات العربية تعوّل على اتزان المؤسسات الدينية في التصدي للفتاوى الجنسية الشاذة التي تصدر عن شيوخ وعلماء يبدو أنهم مهووسون بجسد المرأة، حتى مضى بعضها على نفس المنوال، وسقطت في دوامة الآراء المتحيزة ضد المرأة جنسيا، بدعوى أن دورها الرد على أسئلة طالبي الفتوى ولو كانت غريبة وعنصرية.

غاب عن دار الإفتاء المصرية أن أيّ امرأة تقدم على تكبير صدرها لتكون جذابة، ليس بالضرورة أنها سيدة منحرفة تبحث عن الإثارة والإغراء ودفع الناس إلى الإعجاب بجسدها، فقد تكون متزوجة وتريد أن تظهر بصورة أكثر جمالا أمام شريك حياتها، لتحقق له رغباته الجنسية ولا تضطره إلى النظر إلى امرأة أخرى بصفات لا تتوافر فيها.

معضلة التطرق إلى فتاوى تتعلق بجسد المرأة في العموم، أنها تحمل تحريضا غير مباشر على التحرش بها، بدعوى ارتكابها فعلا محرما، وتمردت على الرأي الديني الذي يمنعها من ذلك، فعندما تقدم سيدة على تكبير صدرها، وهناك فتوى رسمية تعتبرها عاصية للدين، فكيف سيتعامل معها المهوسون جنسيا إلا بمعاقبتها على الفعل؟

ما زالت أغلب الفتاوى الخاصة بالمرأة وجسدها، تصدر بصورة عامة دون اعتبار لطبيعة وظروف وخصوصية المستفتي، فترى الفتوى تذاع على الهواء في الفضائيات، وتنشر في بيانات إعلامية وكأن الالتزام بها واجب على الجميع، وأزمة البعض أنهم يتعاملون معها كمقدس يستلزم الأمر تطبيقها على النساء.

فتاوى عنيفة

هوس يختزل جسد النساء في المتعة لا غير
هوس يختزل جسد النساء في المتعة لا غير

يصعب فصل التحرش بجسد المرأة من خلال الفتاوى عن التركيبة النفسية والسلوكية لأصحابها، سواء أكانوا شيوخا أم رجال دين تابعين لمؤسسة رسمية، وغالبا ما تكون لدى هؤلاء عقد جنسية، أو هوس مفرط بالنساء، ولا يستطيعون التحكم في تصرفاتهم وشهواتهم، فتراهم يصدرون فتاوى يعاقبون بها السيدات بذريعة تغطية العورات.

تتذكر إيمان (م)، وهو اسم مستعار لموظفة بإدارة تابعة لمؤسسة دينية، عندما ذهبت إلى مقر العمل، وفوجئت برئيسها يستوقفها ويبلغها بأن ملابسها مثيرة لشهوات زملائها الرجال، بدعوى أنها تظهر بعضا من مفاتنها، وتتسبب في إثارة الغرائز عند ضعاف النفوس، وبين كلمات النصح، بادرها بالقول “أنتِ جميلة وهذه فتنة”.

قالت إيمان في حديثها لـ”العرب”، شريطة عدم الكشف عن هويتها، أو طبيعة وظيفتها، إنها لم تشعر بالطمأنينة تجاه نظرات رئيسها في العمل، ومعروف عنه الالتزام الديني، وبدا كأنه يطلب منها الاحتشام، ولا يريدها أن تفعل ذلك، ثم فوجئت بصدور قرار من المصلحة يمنع الموظفات من ارتداء البنطال “الجينز” تجنبا لإثارة الشبهات.

وتعكس الواقعة أن تدخلات بعض رجال الدين في أجساد النساء تعبر بشكل غير مباشر عن شهوة زائدة، يحاولون التغطية عليها بالتحكم في الإطار الجسماني للمرأة، من خلال فتاوى أو قرارات وآراء يعاقبون من خلالها كل سيدة ليست خاضعة تحت سيطرتهم، فإذا كانت جميلة ومثيرة، يحاولون بشتى الطرق ألا يطلع على جمالها أحد.

وأصبح من النادر أن تجد مؤسسة دينية تتصدى لفتاوى المهووسين جنسيا أو تفند ادعاءات أصحابها، ومهما كانت الآراء منحرفة فكريا تحقق شهرة واسعة لمن يقدمون عليها، لأن شريحة كبيرة بالمجتمع لديها نفس الهوس تجاه المرأة، أو لأن مصدري الفتوى لم يجدوا من يفضح معتقداتهم وحججهم ويعيد تصحيح ما يسوقون إليه.

ورأت عبير سليمان، الناشطة الحقوقية والباحثة في قضايا المرأة، أن أخطر ما في الفتاوى التي تتطرق إلى المرأة عموما، أنها قد تخضع لأهواء وقناعات أصحابها وطبيعة نظرتهم إلى العنصر النسائي، بمعنى أنهم لا يفتون بأسانيد فقهية وأدلة تثبت حجتهم، بل برؤيتهم الشخصية للمرأة، فمن يفتي بأن عدم ارتداء الحجاب إثارة للفتنة والشهوة والرغبة الجنسية، يرفض مبدأ تعرية الفتاة لرأسها.

وقالت لـ”العرب” لن يتم القضاء كليّا على عنف الفتاوى تجاه النساء، دون إرادة سياسية، فلن تستطيع أي مؤسسة دينية مهما كانت شعبيتها ونفوذها، أن تتحكم في مدى قبول الشارع للفتوى من عدمها، بل يجب تدخل الحكومات بشكل صارم وحاد، لمحاسبة من يصدر رأيا دينيا شاذا.

وهو بذلك يؤذي الملايين من السيدات، ويتسبب في أزمات أسرية واجتماعية خطيرة، فهناك حالات طلاق تحدث بسبب فتوى متشددة تفرض على المرأة مسار حياة وملابس بعينها، غالبا ما تتفق مع الدين، لكنها لا تتلاءم مع المتشددين.

ولفتت إلى أنه لا بديل عن سن تشريعات صارمة ضد كل من يفتي برأي ديني يحتقر من المرأة، على أن تكون العقوبة أشد من النصوص المطبقة على المتحرشين، لأن المتحرش الحقيقي بالنساء صاحب المباركة الدينية الذي يدعي العفة والطهارة وحصرهما في أجساد السيدات، وكأن عناصر الإنتاج والفكر والتنوير تنتظر تغطية العورة.

اختزال العورات

دفاع شرس عن الحقوق
دفاع شرس عن الحقوق

المتابع عن قرب لنوعية الفتاوى المرتبطة بأجساد النساء، يشعر وكأن الفقه الإسلامي اختصر المرأة في صورة عورة، أو أنها مخلوق غريب جاء إلى الدنيا لغرض المتعة، فهناك من يفتي بسرعة زواجها مبكرا لحمايتها من الانحراف، وآخر يبيح التحرش بها لو كانت ملابسها مثيرة أو لا ترتدي الحجاب، وثالث يتهم من تتعطر بأنها ارتكبت جريمة الزنا.

هناك دعاة وشيوخ صاروا متخصصين في فتاوى جسد المرأة، بعدما وجدوا فيها بابا سحريا للشهرة وتكوين قواعد جماهيرية من الشريحة التي تعادي أيّ تحرر نسائي يخالف الأعراف والتقاليد، والمثير للريبة أن نفس الفئة تبرر حجتها بأن “إخفاء جمال المرأة يخفف وطأة الشهوة الجنسية عند الرجال”.

لا يدرك أصحاب العقليات الشاذة من رجال الفتوى، أن نشر ثقافة التحريم حول كل ما يرتبط بجسد المرأة، يعرضها لعنف تتخطى خطورته ما كانت ستتعرض له إذا ترفعت ألسنة هذه الفئة عن التركيز في قوامها وملابسها والطعن في سلوكياتها، لأنهم بذلك يصدرون عليها أحكاما عدوانية بتحريض الأقارب والغرباء على إلزامها بالرأي الديني، وإلا استحقت العقوبة.

الزوج أو الأب أو الأخ، عندما يسمع أو يقرأ فتوى تحدد كيف تلبس المرأة وإلا أصبحت متبرجة وعارا على أهلها، فإنه سيضطر إلى تطبيق النص الديني بشكل أعمى، دون إعمال العقل والمنطق، خاصة إذا كان يعيش في مجتمع متدين بالفطرة، أو يحتكم للعادات والتقاليد، ولا ينظر إلى نفسه على أنه “ديوث” كما وصمه الشواذ فكريا من رجال الدين.

صحيح أن شريحة كبيرة من النساء أصبحت أكثر تمردا على الالتزام بقدسية الفتاوى الدينية التي تحدد الإطار الجسدي لهن، لكن الأغلبية منهن يعشن أسيرات لتشدد عائلاتهن، فهناك أسر صارت تتحكم الفتوى في كل تصرفات حياتها، وتحتكم لرجل الدين في جميع تعاملاتها تقريبا، وأي رأي يصدر ولو كان من شيخ متشدد، فإنه بالنسبة لها مقدس.

يزداد العنف الجسدي والنفسي والمعنوي بحق المرأة بسبب الفتاوى الجنسية، كلما ارتفعت معدلات الأمية، فالمعيار في تحليل الفتوى بشكل عقلاني وقبولها من عدمه، يرتبط بمستوى تعليم وثقافة وتحضر الناس، ولأن هناك مجتمعات تصل فيها نسبة الجهل إلى مستويات قياسية، فأجساد النساء تكون أكثر عرضة للانتهاك أمام انتشار الفتاوى الشاذة.

لا يحتاج الأمر إلى أدلة ثبوتية لربط تحريض الفتاوى على النساء بتطرف أصحابها وانحرافهم فكريا، ويكفي أن الإخوان والسلفيين صدرت عنهم قرابة 60 فتوى تتعلق بالمرأة خلال العام الوحيد الذي وصلت فيه جماعة الإخوان إلى الحكم بمصر (2012)، وجميعها لا تتوافق مع نظرة الإسلام إلى المرأة، ما يعني أن كل فتوى تنتقص من قيمة السيدات مردها فكر غير سوي.

وإذا كان البعض يطالب بسن تشريع يجرم إصدار الفتاوى بشكل عشوائي، ويقتصرها على رجال المؤسسات الدينية الرسمية لتكون أكثر مرونة وإنصافا للمرأة، فالواقع أثبت أن أفكار متطرفي الفتوى تتطابق أحيانا مع بعض المنتمين إلى دور الإفتاء، بحكم تقديسهم للمنهج التراثي الذي يخاطب عصورا اختصرت النساء في صورة جوار.

وقالت هالة منصور الباحثة الاجتماعية وأستاذة علم النفس بجامعة بنها، شمال القاهرة، “إن أزمة الكثير من المجتمعات العربية أنها تتعامل مع فتاوى المرأة كأنها وحي نزل من السماء، دون إعمال للعقل والمنطق، وهو المدخل الأساسي للعنف ضدها، وهو ما تعتمد عليه تيارات متشددة لتمرير فتاواها والإيحاء بأنها مقدسة وغير قابلة للطعن”.

وأوضحت لـ”العرب” أن الأسر مطالبة بعدم التعامل مع الفتاوى الخاصة بالمرأة بطريقة القبول بالإجبار، لمجرد أنها صدرت عن رجل دين أيا كانت هويته ومصداقيته ودرجة علمه، فما دون القرآن الكريم قابل للطعن عليه والتشكيك فيه.

ويرى حقوقيون أن وقف تحرش الفتاوى بجسد المرأة يتطلب زيادة التمكين الديني للسيدات، بحيث تكون الفتاوى الخاصة بالأمور النسوية صادرة عن عالمة دينية، وليس عن رجل، لأن المرأة وحدها من تشعر بمعاناة النساء واحتياجاتهن وما يتوافق مع حياتهن وما يتسبب في قهرهن وإذلالهن أمام السطوة الذكورية.

20