الفتاوى كإنتاج رأسمالي لا يبدو منه إلا "النجم"

الثلاثاء 2017/07/11

يحدث أحيانا أن تدمع عيناك وأنت تتابع فيلما، ربما في مشاهدة ثانية تعني أنك تعرف أحداثه، كما أنك توقن قبل مشاهدته الأولى في السينما أن ما ستراه ليس إلا تمثيلا، وأن بينك وبين صناع الفيلم عقدا غير معلن على أن ما تشاهده محض خيال، سحر أسهم في صنعه كاتب ومخرج ومصور وممثلون ومونتير ومهندس ديكور، لكن بلوغ التمثيل درجة العفوية والتلقائية يجعله أكثر صدقا وجمالا من أي “حقيقة” يعبر عنها.

يحدث أحيانا أن تدمع عيناك، في إحدى المشاهدات، وقد تماهيت مع شخص مقهور قليل الحيلة، ولكنك مثلي قلما تتأثر بوصلة تمثيل غير متقنة تابعتُها ذات رمضان، في أمسيات تلفزيونية يومية بطلها “داعية” شاب، له جمهور شبه ثابت خصوصا في الصف الأول، وينهي مواعظه بدعاء أمرنا الله أن يكون “تضرعا وخفية”، ولكنه يخالف الآية فيقع في تناقض الجمع بين الصوت العالي المنغم والتباكي، وتهبط طبقة الأداء فجأة من الجواب إلى القرار بقوله “وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين”، ويمازح مريدين غير واعين بأنهم طرف في عملية إنتاج ذات شروط صارمة.

الفكر الرأسمالي ذو طبيعة احتيالية، تمتاز بالمرونة والقدرة على التجاوز والتكيف واختلاق الضرورات، فمع ظهور وعي عمالي يسعى إلى تحديد ساعات العمل والاستمتاع بأوقات الفراغ، ابتكر صناعات الترفيه؛ فيأخذ من العمال طواعية باليمين ما نالوه باليسار.

يرصد أستاذ علم الاجتماع البريطاني جيمس فيلتشر في كتابه “مقدمة قصيرة عن الرأسمالية” براعة رأس المال الصناعي في “المتاجرة بالترفيه”، ففي أيام الراحة أغلقت المصانع، في إغراء للعمال لكي ينخرطوا في أنشطة ترفيهية تنظمها مشاريع رأسمالية، وبالاعتياد نشأت للترفيه سوق استهلاكية تدرّ على محتكريها أرباحا تغذي الآلة الرأسمالية.

الضرورات الوهمية التي افتعلت افتعالا تقدم تسويغا لجيوش “الدعاة”. بموت النبي صلى الله عليه وسلم اكتمل الدين بأركانه الخمسة، وحلاله وحرامه وكِلاهما بيّن. ومضت القرون بيسر، إذ آمن المسلمون بأن “هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق”، قبل أن تقذفنا موجات النصف الثاني من القرن العشرين بمتنطعين يثيرون الفتن، ويلهون الناس بقضايا حسمها القرآن مثل جواز طعام أهل الكتاب.

ومع التفريغ المتعمد للوعي العام تحالف المتنطعون صنيعة الآلة الإعلامية الرأسمالية مع الاستبداد، وصارت لهم قاعدة شعبية يسهل استثمارها لصالح السياسي والرأسمالي.

ولنتخيل الآن عالما من دون “الدعاة”، حدثا كونيا يخفيهم، أو يهديهم سبيل الرشاد؛ فينتجون ما ينفع الناس ولو مسابح وسجاجيد صلاة وجلابيب ومزمزيات مياه يعود بها الملايين من المصريين من الحج والعمرة.

لم يكن هذا العدد المبالغ فيه من "“الدعاة" أن يظهر ويستمر إلا محمولا على وسائل اتصال تتفنن في خلق احتياجات وهمية

لو جرى هذا ما نقص من الدين شيء، وإنما سيحدث فراغ نفسي لا تريد الرأسمالية أن يشغله شيء أكثر أهمية ونفعا، وأخشى أن ملوك السوق الإعلامية يتحسبون لوقوع هذا الفراغ بتفريخ أجيال جديدة يدل إطلاقها عبر الشاشات والفضاء العمومي على أننا نحيا مرحلة بني إسرائيل، وليست كثرة أنبيائهم مجال فخر، بل دليل فساد، وخروج على الفطرة الإنسانية.

لهذه الغزارة في إنتاج وتسويق “الدعاة” الهواة ارتباط مباشر بالنهج الرأسمالي، ولم يكن هذا العدد المبالغ فيه من “الدعاة” أن يظهر ويستمر إلا محمولا على وسائل اتصال تتفنن في خلق احتياجات وهمية، واصطناع سوق اسمه “الدعوة”، ضمن عملية تخاطب الضعف البشري إزاء الخوف من المجهول، فتقدم ما يطمئن الناس عبر فنون الترهيب والترغيب، وتقيم جسورا بين الجمهور ومقدم الخدمة، وهو قمة منظومة استهلاكية يديرها مالك قناة فضائية يملك أيضا شبكة تضم قنوات للأفلام العربية والأجنبية وأغاني الفيديو كليب، ولا يعنيه أن تقدم إحدى قنواته ما يحرمه “الداعية” في قناة أخرى.

قبل تحولها إلى صناعة يتحكم فيها سماسرة ضمن سوق دولية، كانت كرة القدم تستهدف المتعة، ثم خضعت للرأسمالية فأغرت بشراء أندية، والنادي المتيسر ماديا يشتري لاعبين أعلى سعرا؛ وهو يضمن سرعة العائد، بالفوز بالبطولات وبالإعلانات على قميص اللاعب الذي تم تسليعه فصار مجرد “شيء” من حق النادي تجميده وبيعه وإعارته، كما يضبط حركته وظهوره العام، فيمنعه أن يتعامل مع وسائل الإعلام، ويحدد توقيت وكيفية ظهوره ضمن خطة التشييء الإعلانية، وغير ذلك من تفاصيل عبودية جديدة مختارة. فما علاقة ذلك بالسادة “الدعاة” الذين يفتون بحلّ كرة القدم أو حرمتها؟

يستسلم “الداعية” لمصيره الذي يحدده منتج البرنامج أو مالك القناة. ويقرر الأخير المسموح به والممنوع من القضايا المثارة، كما يختار شكل “الداعية”، فتجد أحدهم في سنوات البراءة يميل إلى الصلع، وهي هيئة يظنها الرأسمالي المحتكر لا تسر الناظرات من نساء الطبقتين العليا والوسطى العليا اللائي يعتنين بالماكياج والأزياء السابغة، ثم تفاجأ بشعره غزيرا، فيذكرك بممثل محترف اختار له المخرج دورا جديدا. ويرتبط نوع الفتاوى بمكان لقاء “الداعية” بالجمهور، فتختلف خطبة لواعظ في قرية تعاني الفقر ونقص الأدوية ومياه الشرب النقية، عن خطبة للواعظ نفسه في حي راق أو قرية سياحية لا يقربها إلا الأثرياء.

وحين يكون مالك القناة مالكا للقرية السياحية الساحلية فلا مجال لاجتهاد “الداعية” الذي يلتزم بأداء دوره المرسوم، وفي هذا السياق لا تدهشني رسائل إعلانية يتلقاها بريدي الإلكتروني عن استعداد الفندق الفلاني في مكة، لشهر رمضان ببرنامج حافل للنزلاء، “بتقديم خدماته.. من الأمسيات الخاصة” بحضور “الداعية” الفلاني الذي سيجيب عن أسئلة النزلاء “لنمنح ضيوفنا تجربة لا تنسى” في الفندق الذي يضم 764 غرفة وجناحا، “وثلاثة مطاعم ومقاه تقدم للضيوف أشهى وألذ المأكولات الفاخرة من مختلف أنحاء العالم.. وللمزيد من المعلومات أو الحجوزات، يرجى زيارة الفندق، أو الاتصال برقم…”.

إهانة واضحة للمعاني وتسليع لرجال جاهزين لتلبية نداء المال. أترحم على الشيخ محمد رفعت الذي عاش عزيز النفس، واكتفى بقراءة القرآن الكريم في مسجد فاضل باشا، ورفض طلب وزارة الأوقاف بأن ينتقل إلى أحد المساجد الكبرى بالقاهرة، وكان يبيع أثاث بيته لتغطية تكاليف العلاج الذي يأبى أن يتحمله حكام وأثرياء في العالم الإسلامي اعتزازا بأن حامل القرآن لا يهان.

في اكتساب أرض للفتاوى، انتقل الهواة إلى الفنادق، وذهب الرسميون إلى مكان لا يرد على البال، إلى مترو الأنفاق، وهذه قضية أخرى.

روائي مصري

9