الفتنة والحجاب

الأربعاء 2014/05/14

الفتنة ظاهرة مشعة ومحرقة، تفضي إلى عذاب مادي ومعنوي، أليس من معاني الفتنة في عربيتنا الجميلة العذاب والشقاق والنار، قبل الغواية، فالجسد فتنة، والطعام فتنة، والموسيقى فتنة، والصورة فتنة، والمال فتنة، والبنون فتنة، والكلام الساحر فتنة.. لذا وجب وضع كل تلك الطيبات في جرابات سوداء تحجب ضوءها وضياءها عن نظر العابرين والمقيمين، وتداريها عن ضمائر الناس وخواطرهم.

الفتنة هنا مفهوم طبقي لأن الغني لا يفتنه مال، ولا طعام، فهو ينعم بين الأملاك العينية، والأرصدة الرقمية، كما أن الشبعان لا يلتفت إلى مأكل أو مشرب، والمرفه لا تستبدّ به نزوة جسد، ولا نضارة قول أو فن، فهو المتملي في الطيبات دون رقيب.

لا جرم إذن أن تكون الطيبات محجوبة عمن ليس بمقدوره تذوق فتنتها، الفقير والجائع والمكبوت جنسيا.. من هنا كان طبيعيا ألا يتمادى الحجاب في غيّه في المجتمعات المكتفية والناضجة -ولا أقول الغنية- فلا تحجب الرفاهية الجسدية والقولية والفنية عن المواطنين، الشركاء في كل مقدرات الوطن -وهم غير الناس ولا أهل البلد ولا الرعية-، لأنهم تطبعوا بحدود الخصاصة والرفاه وحقوقهما، وباتت الفتنة عتبة مقننة بمقاييس القانون، فيها الجائز والمحظور.

الفتنة إذن حافز حضاري، وليست غيّا أو خطيئة في عرف المدنية المعاصرة، هي حافز لأنها نموذج، بقدر ما يمكن أن يصبو إلى تحقيقه كل طامح لتجاوز الكفاف.. أستعيد هنا واقعة بالغة الدلالة عن أشرطة سينمائية عثر عليها في السنوات الأخيرة في أرشيف المكتبة العامة والمحفوظات بمدينة تطوان المغربية، حين عرضت لأول مرة سنكتشف أنها توثق لحفلات مدرسية في سنوات الأربعينات والخمسينات في تطوان الواقعة تحت الحماية الإسبانية، كانت التلميذات يشبهن شخصيات أفلام “شادية” و”نادية لطفي” في كلاسيكيات السينما المصرية، مرتديات أقمصة بيضاء، أنيقة، مع تنانير قصيرة، وبقصات شعر مختلفة، بعضها يتجاوز تقليعات اليوم، لم تكن بينهن بطبيعة الحال محتجبة واحدة، وكأن تلك الأفلام تصوّر ما كان من المفروض أن يمثل مستقبل المغرب لا ماضيه، بالطبع كان المجتمع لا يحتاج إلى مدارات الفتنة، لأنها متاحة ومتداولة بين الناس والطبقات.

وفي المقابل فلا بد أن تحجب النساء وتهدّم الصروح المعمارية وتحرّم الموسيقى وتحجب كل أنواع الفتن الظاهر منها وما بطن في البلدان التي تمزقها الحروب والنزاعات الطائفية والجيح، في الفضاءات التي بات الربيع فيها كناية عن اليباب، من هنا كان طبيعيا أن يستشري الحجاب في مجتمعات الناس والرعية، ممن ليس لهم نسبة إلى وطن، لأنه رمز الفقر والجوع والصراع الطبقي، أكثر مما هو رمز ديني.

كاتب من المغرب

15