"الفتوة" في السينما المصرية شخصية لها حكاياتها

هناك الكثير من الشخصيات التي عرفتها المجتمعات العربية باتت رموزا ملهمة للعديد من الأعمال الفنية، على غرار أعلام صوفيين أو محاربين أو ثوار وغيرهم، ومن بين أبرز هذه الشخصيات شخصية الفتوة، التي أشعلت مخيال الأدب والسينما العربيين وخاصة في مصر التي درجت فيها هذه الشخصية.
الجمعة 2017/06/30
الفتوة حاكم شعبي سواء اختاره هذا الشعب أو فرض نفسه بالقوة على الناس

للمرة الثانية خلال خمسة أعوام ينشر كتاب “الفتوة في السينما المصرية”، للكاتبة والناقدة ناهد صلاح. فقد تم نشر الكتاب في مصر أولا ضمن سلسلة كتاب اليوم بالقاهرة عام 2012، ثم أدخلت عليه الكاتبة بعض التعديلات المعمقة، ليصدر الآن في دمشق، عن سلسلة الفن السابع التي تصدرها المؤسسة العامة للسينما، التابعة لوزارة الثقافة السورية.

في الكتاب سبر دقيق مدعم بالأرقام والتحليلات الفيلمية لظاهرة وجود الفتوة في المجتمع أولا، ثم تناول ذلك في السينما المصرية.

الحاكم الشعبي

تكتب ناهد صلاح في المقدمة جوابا عن السؤال لماذا الفتوة الآن؟ قائلة “مشاهد القتل والهدم والتشريد التي تسوقها نشرات الأخبار يومياً تعبر عن الهواجس المخيفة لما بعد العنف، تلك الهواجس التي تحفر انعطافة تحولية حادة في تاريخنا المعاصر. هذه الصور الدموية الوحشية تطرح سؤالنا الملح: لماذا الفتوة الآن؟”.

وتضيف الكاتبة “في هذا الكتاب نحاول أن نقدم نموذج الفتوة، دون أن تربكنا الشعرة الدقيقة بين الفتوة والبلطجي. ونكشف عن الطريقة التي تعاملت بها السينما مع هذا النموذج الذي ترسخت صورته في الوجدان المصري في مرحلة تاريخية ما كمعادل شعبي للحاكم الرسمي، وكحاجة ملحة لضبط ميزان الأمن والأمان في مجتمع افتقد السلطة العادلة”.

تعرف ناهد الفتوة بأنه “حاكم شعبي سواء اختاره هذا الشعب أو فرض نفسه بالقوة على الناس، في الأحوال العادية. ولكي يستمر الفتوة في موقع سلطته فإنه يتحتم عليه أن لا يستند إلى القوة فقط، وإنما يضيف إلى سلوكه وأعماله ما يجعل الناس تحبه، كأن ينصر الفقراء ويقيم العدل ويلعب دور الحكيم ويرتب الحياة في الحارة التي يحكمها بحيث يظل الجميع قانعين به مدينين لحمايته، فهو على سبيل المثال يأخذ الإتاوة من القادرين ليعطي المحتاجين”.

وتتحدث عن وقت زوال الفتوات من مصر معتبرة أن زوال عصر الفتوات لم يحدث فجأة بعد ثورة يوليو، فقد تم التمهيد لإغلاق هذه المنظومة في نهاية ثلاثينات القرن العشرين، حين أرادت الشرطة المصرية التخلص من الفتوات، بعد أن كانت تستعين بهم عند القبض على أحد اللصوص، ولم يكن بإمكانها فعل ذلك إلا باللجوء إلى الحيلة وإحداث الفتنة في ما بينهم، وهو الأمر الذي نجحت فيه، حيث تحارب الفتوات وسقطوا واحداً بعد الآخر في معارك مدبرة.

شعرة دقيقة تفصل بين الفتوة والبلطجة

تقدم ناهد صلاح في كتابها معلومات اجتماعية وأمنية صادمة، عن عدد الأشخاص الذين كانوا يقومون بدور البلطجي، في الفترة التي تلت إلغاء الدولة لظاهرة الفتوة، مبينة بلغة الأرقام عددهم ومراكز استقطابهم من قبل بعض رموز السلطة سابقا.

وتبيّن أن ما رصدته دراسات عدة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية يبين، وفق إحدى هذه الدراسات في العام 2002، أنه يوجد 92 ألف بلطجي من”المسجلين خطر” 28 بالمئة منهم يتمركزون بالقاهرة وحدها. كما قدر خبراء اجتماعيون عدد البلطجية الذين كان يرعاهم جهاز “أمن الدولة” بـ 50 ألفا. وهناك أعداد أخرى غير معروفة صنعها سابقاً الحزب الوطني و”صفوة” رجال الأعمال المنتمين إليه، والذين كانوا يتولون رعايتهم والإنفاق عليهم بالملايين من الجنيهات يومياً.

ووفق تصريح للمستشار محمد عبدالعزيز الجندي وزير العدل الأسبق فإن عدد البلطجية وصل إلى 500 ألف بلطجي.

الفتوة في السينما

أما عن أولى المحاولات التي نقلت شخصية الفتوة إلى الشاشة السينمائية، فكتبت ناهد صلاح أنها فيلم “فتوات الحسينية”، وليس فيلم “الفتوة” الذي يعتبره الكثير من النقاد أول فيلم نقل هذه الشخصية إلى السينما، وهي ترى أن هذا الفيلم لا يحمل من عوالم الفتوات إلا اسمه، كونه يتناول موضوعا آخر تماما.

تبين ناهد صلاح أن فيلم “فتوات الحسينية” -أنتج سنة 1954 وأخرجه نيازي مصطفى- هو إشارة انطلاق الفتوة في روايات محفوظ التي كانت تتمحور في مجملها حول شخصيات تسعى إلى تأسيس قيم العدل والحرية والخلاص والحب والسعادة، وكانت “الحرافيش” أبرز رواية تناولت السيرة الشعبية لفتوات الحارة المصرية وتاريخهم. يعني كان فيلم “فتوات الحسينية” بأجوائه المذهلة التي اختلط فيها التراث الشعبي بالصورة الشكلية لقصص الـ”ويسترن” الأميركية، “بروفة” نجيب محفوظ في الكتابة عن هذا العالم قبل ظهور روايته “الحرافيش” في منتصف الستينات من القرن الماضي.

المرأة في أفلام الفتوات لم تخرج عن الصورة النمطية، رغم أن بعض النماذج كانت تبدو ظاهريا كأنها فاعلة ومحركة للأحداث

وتحت عنوان “الفتوة على الشاشة، مضمون هوليودي في شكل مصري”، يقدم الكتاب نماذج عن عدة أفلام مصرية عالجت مفهوم الفتوة في السينما المصرية. ثم يقدم قراءة تحليلية في ثلاثة أفلام، قدمتها السينما المصرية مظهرة هذه الشخصية. وتلك

الأفلام هي “سعد اليتيم” و”الشيطان يعظ” و”الجوع”.

لم تغب المرأة عن عوالم الفتوة، وهو الأمر الذي بينته ناهد صلاح في كتابها، فتحت عنوان “المرأة والفتوة” قدمت سردا تاريخيا واجتماعيا للحالات التي ظهرت بها المرأة في هذا المجال من ناحية المنظور الاجتماعي أولا ثم من ناحية المنظور السينمائي.

تقول الكاتبة “لم تخرج المرأة في أفلام الفتوات عن الصورة النمطية كثيرا، على الرغم من أن بعض النماذج كانت تبدو ظاهريا وكأنها فاعلة ومحركة للأحداث، فهي تقف وراء الفتوة وبجواره وتدفعه لكل التحولات والانعطافات التي تصادفه في طريقه، سواء بشكل مباشر يبرز فيه دور المرأة إيجابيا حيناً وسلبياً في الغالب، أو بشكل خفي يطل من وراء ستار يختفي خلفه عالم غامض ينسج خيوطه من أجواء تسودها المؤامرات والخيانات”.

وفي عنوان أخير هو “شهادات وحوارات مع صناع الفتوة” تستعرض ناهد صلاح مواقف أقطاب الفن السينمائي المصري، مبينين آراءهم في تجارب السينما المصرية عامة في تعاملها مع إبراز شخصية الفتوة في السينما، منهم الفنان الراحل نور الشريف وعلي بدرخان، والكاتب السينمائي والتلفزيوني الشهير وحيد حامد، والكاتب يسري الجندي.

14