"الفتوة".. هجين من حرافيش نجيب محفوظ ومغامرات روبن هود

مسلسل "الفتوة" يحمل العديد من الرسائل الجانبية غير المباشرة المرتبطة بالواقع ويحاول اللعب على العديد من الأوتار لجذب أكبر قطاع من الجمهور إلى المشاهدة.
الثلاثاء 2020/05/19
خصم وحكم وقاض في الوقت ذاته

يقدّم مسلسل “الفتوة” بانوراما تاريخية لصراعات الخير والشر في الحارة المصرية القديمة، مقدّما لمشاهديه أجواء صراعات السلطة بين حاملي العصي الخشبية (النبابيت)، وفتوات أدب نجيب محفوظ، ممزوجة بكلاسيكيات الفلكلور الإنجليزي المرتبطة بروبن هود، ونهبه للأغنياء لصالح الفقراء.

القاهرة- يستعيد مسلسل “الفتوة” الحياة في القاهرة عام 1850 ببيوتها الحجرية الممتلئة بزخارف الأرابيسك المعقدة، وطبيعة النشاط الاقتصادي داخل الحارة بوجود شيخ لكل مهنة يتولّى تنظيم أمورها، وفتوة يتوّلى صون الأعمال الموجودة داخلها وحماية أهلها من الغرباء أو هجمات الحارات المجاورة، مقابل إتاوات يتمّ دفعها.

ويبدو أن العمل اختار الفترة الزمنية التي ينطلق منها في أحداثه بعناية، فمصر حينها كانت تشهد موجة من التراجع على جميع المستويات بعد النهضة التي سجلتها في عهد محمد علي، مع تولّي الحكم عباس حلمي الأول الذي ترك البلاد تموج في الفوضى، وآثر العزلة وإدارة الحكم من قصر معزول بناه في صحراء العباسية التي تم استيقاء اسمها منه.

يظهر العمل في الخمس دقائق الأولى تلك الفوضى من خلال حاملي عصي خشبية يطرقون منزل رجل مسن في منتصف ليلة ممطرة، ويطالبونه بمبالغ مالية، ويضطر الرجل إلى الدفع رغم ممانعته في البداية بعد تلقيه ضربا لا يراعي حالته الصحية أو شيخوخته وعجزه عن الدفاع عن نفسه.

ورغم وضوح الفكرة، استغرق “الفتوة” وقتا طويلا في التعريف بشخصياته ليمضي نحو 10 حلقات في مسار تأطيري لأبطاله، والتعريف بمآثر حسن الجبالي (الفنان ياسر جلال) نجل الفتوة السابق، وعيوب فتوتها الحالي صابر أبوشديد (الفنان أحمد خليل) ونجله عزمي (الفنان أحمد صلاح حسني) الذي استغل تقادم شيخوخة والده، وأرهق السكان بإتاوات جديدة ليست لها علاقة بالحماية.

وتحمل القصة الكثير من الصراع الداخلي في حارة الجمالية القريبة من وسط القاهرة، سواء بين حسن وعزمي محوري الخير والشر والسلطة والعدالة، وفي الوقت ذاته يتربّص أعداء خارجيون يظهرون السلام لكنهم ينتظرون الفرصة للغدر والهجوم، مثل المعلم سيد فتوة حي المدبح (الفنان رياض الخولي) الذي يحاول التآمر على صابر بإظهار ضعفه وعدم قدرته على حماية أهل منطقته.

تشبه شخصية حسن المرسومة كثيرا أمير اللصوص روبن هود في الأدب الغربي، فهو شاب شجاع ومهذب يخوض معارك مع الظلم في الجمالية، ليستقل حصانه كفارس ملثم يشتبك مع حاملي النبابيت ويطيح بهم أرضا ويعيد الأموال التي جمعوها عنوة إلى أصحابها، أو يهجم على فتوات “المدبح”، كمكان لذبح الماشية، ويسرق اللحوم منهم لتوزيعها على الفقراء.

قصص متداخلة

"الفتوة" يتسم بقدر كبير من الإبهار البصري بعناصر الإضاءة والتصوير المعتمدة على ضوء الشمس في الكثير من المشاهد
"الفتوة" يتسم بقدر كبير من الإبهار البصري بعناصر الإضاءة والتصوير المعتمدة على ضوء الشمس في الكثير من المشاهد

حافظت الأحداث على نسج صورة قريبة من الأسطورة الإنجليزية، فمع مقتل شيخ الصياغ “صناع وباعة الذهب” في الجمالية وسرقة مقتنياته الغالية، تم إلصاق التهمة بالفارس الملثم زورا للهروب من عار فشل الفتوة في حماية أهل حارته، مثل ما حدث كثيرا مع أمير اللصوص في إلصاق تهم السرقة بمدينة نوتينغهام به، رغم تخصّصه في نهب الأثرياء فقط.

يحاول العمل اللعب على العديد من الأوتار لجذب أكبر قطاع من الجمهور إلى المشاهدة، كطرحه نحو ست قصص حب أساسية أو جانبية ضمن أحداثه، مع مساحة من الحركة ممثلة في الاشتباكات الدامية بين الفتوات بالعصي الخشبية للسيطرة، وهامش درامي بالجمل الحوارية بين أبطاله والتشابكات التي تفرضها عليهم الظروف الاقتصادية والفقر الظاهر على سكان الحارة.

ويتضمن تشابكات عاطفية شديدة التعقيد فحسن تجمعه علاقة حب بليل (الفنانة مي عمر) المطلقة من سيد ويريد عودتها إليه بكل السبل، وشقيقها عزمي يقع في علاقة حب من طرف واحد مع جميلة (الفنانة نجلاء بدر) التي تحب بدورها حسن، في شبكة علاقات تزيد تعقيدا على البطل، الذي عليه الاختيار بين خسارة قلبه أو فقدان قضيته.

وتزداد أزمة حسن العاطفية بتذكّره المفاجئ واقعة مقتل والده في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف حينما كان صغيرا، وتبدأ ملامح الاتهام تختمر في رأسه للفتوة صابر بالاشتراك أو التواطؤ، ليضطر إلى التخلي عن حبه الذي لا يستطيع أن يعيش وسط إرث الدم والعداوات القديمة.

العمل اختار الفترة الزمنية التي ينطلق منها في أحداثه بعناية، فمصر حينها كانت تشهد موجة من التراجع على جميع المستويات بعد النهضة التي سجلتها في عهد محمد علي، مع تولّي الحكم عباس حلمي الأول الذي ترك البلاد تموج في الفوضى

يفتح العمل مسارات جانبية للتشويق بعيدا عن صراعات الفتوات على السيادة والسيطرة، بالحديث عن وجود كنز أخفاه الجبالي الفتوة السابق بمنزل أحد الشيوخ وبجواره نبوته القديم وبجانبه رسالة غامضة تؤكّد أن له صاحبا يجب عودته إليه، ليصبح “الكنز” محور صراع جديد بين حسن والفتوة سيد الذي يبحث عن الذهب منذ سنوات.

ويحمل “الفتوة” رائحة أدب الحرافيش لنجيب محفوظ في الأجواء العامة المرسومة للحارات القديمة وأنماط الحياة داخلها، وحتى في اختيار اسم البطل (الجبالي) الذي كان محورا لرواية “أولاد حارتنا” الفائزة بجائزة نوبل، وأسلوب السرد الذي يمتدّ لمدى زمني بعيد بشخصيات تتضمّن تاريخا ماضيا، ومستقبلا يمنح صناعه القدرة على توليد أجزاء جديدة منه.

ومع ذلك، لم يصل المسلسل إلى المعاني الدفينة التي أراد محفوظ تجسيدها في الحارة بجعلها نموذجا مصغرا للنظام العالمي بصراعاته ومؤامراته وفرض القوي كلمته على الضعفاء، فمناقشة فكرة المظلمة التي كان يعقدها فتوة الحارة للنظر في مظالم السكان في المسلسل، لم تظهر الهدف منها  وهو اختلال ميزان العدالة أو توضيح احتكار أنصار القوة لكل السلطات التي منحها لهم الجالسون الخانعون أمامهم.

ويتسم “الفتوة” بقدر كبير من الإبهار البصري بعناصر الإضاءة والتصوير المعتمدة على ضوء الشمس في الكثير من المشاهد، ما جعل صورته الثرية تتجاوز هفوات الممثلين في الحلقات الأولى الذين ظهر على الكثير منهم عدم حضورهم الذهني ووجود فجوات زمنية في الحوارات.

ومع ذلك، وقع حسين المنباوي، مخرج العمل، في بعض الأخطاء الإخراجية الساذجة، كالاستعانة بنباتات الظل كعنصر ديكور في بيوت الفتوات، والتي لم تكن معروفة في مصر إلاّ بعدها بقرن كامل، وحتى لحى الأبطال التي ظهرت على الموضة الحديثة لا تناسب الدارجة في الحارات قبل 170 عاما.

هنات وتقليد

قصة تحمل الكثير من الصراع الداخلي
قصة تحمل الكثير من الصراع الداخلي

يظهر الأداء التمثيلي وقوع فناني المسلسل أسرى للتجارب السينمائية التي تم تقديمها سابقا، فياسر جلال ينغمس إلى أقصى درجة في أسلوب نور الشريف في فيلمي “الشيطان يعظ” و”المطارد”، بينما يحاول أحمد صلاح حسني بتغييره نمط صوته باستمرار والافتعال كثيرا أن يقترب من أداء محمود عبدالعزيز في فيلم “الجوع”.

وحينما أراد الكاتب هاني سرحان استثمار أزمة كورونا بإدخال فكرة الوباء على العمل بفقدان حسن زوجته في هجمة للكوليرا، وقع ضحية خطأ تاريخي بإسقاط ثلاثة عقود كاملة، فالموجة الأولى لذلك المرض لم تظهر بين المصريين إلاّ عام 1883 حينها فتك بقرابة 40 ألفا، أي بعد 33 عاما من الأحداث الدرامية.

ويحمل العمل العديد من الرسائل الجانبية غير المباشرة المرتبطة بالواقع، مثل الإعلاء من قيمة العلم بإجبار حسن نجلته على التعلم في أحد الكتاتيب، رغم كبر سنها عن باقي زملائها، وتلاعب أصحاب “الودع” بعقول الجهلاء لصالح مكاسبهم الشخصية، وأهمية الخطاب الديني المستنير متجسّدا في شخصية الشيخ مبروك (الفنان أحمد خالد صالح) الذي لا تغرّه مطامع الثروة، ويطالب حسن بالتخلّص من الكنز في النيل تجنبا للصراعات.

ويعدّ “الفتوة” العمل الرمضاني الوحيد الذي لم يعرض الخير والشر بنماذج ملائكية وشيطانية شديدة الوضوح، فقدّم نموذجا سيئا مثل عزمي لا يخلو من فضائل الحفاظ على الصداقة، ووالده الفتوة صابر كان رغم قسوته حنونا على ابنته ولا يملّ من تذكير نجله بكبح جماح الغضب ووضع خيط رفيع بين فرض الهيبة وعداوة البشر.

16