الفتوى أداة سحرية لدى داعش لتحويل الجرائم إلى أفعال مقدسة

الكمون وراء الدين لتنفيذ جرائم بشعة، هو ما طبع الجماعات الجهادية منذ بداية ظهورها وازدهارها في السبعينات من القرن الماضي. وقد أوغلت هذه التنظيمات في نسختها الأخيرة، أي تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية، في جرائمها البشعة في الاغتصاب والاتجار بالأعضاء وعقوق الوالدين والسرقة، وكل ذلك يتم بأداة سحرية تسمى الفتوى، إذ يكفي أن يفتي أحد “مشايخ” التنظيم بإباحة جرم معين حتى يصبح الفعل الإجرامي ممارسة مقدسة لما يسموه جهادا. ولعل كشف وكالة الأنباء رويترز الأخيرة عن بعض هذه الفتاوى دليل على ذلك.
الأربعاء 2015/12/30
أوهام في مزبلة التاريخ

واشنطن - تواصل وكالة رويترز الكشف عن وثائق هامة خاصة بتنظيم الدولة الإسلامية، عثرت عليها القوات الأميركية الخاصة خلال غارة قامت بها في مايو الماضي في سوريا. ومعظم الوثائق هي فتاوى تتناول أمورا مثل اغتصاب الأسيرات وكيفية معاملة العبيد ومتى يجوز أن يسرق الابن أباه ليوفر تكاليف السفر للجهاد.

وكانت الوكالة قد نشرت يوم الجمعة الماضي وثيقة كشفت فتوى أصدرها ما يسمى ديوان البحوث والإفتاء في تنظيم الدولة الإسلامية تجيز استئصال أعضاء بشرية من أسرى التنظيم لزرعها في أجساد أخرى، مما أثار قلقا من أن يكون التنظيم المتطرف منخرطا في أنشطة اتجار بأعضاء البشر، كما نشرت الوكالة أيضا وثيقة تكشف النظام البيروقراطي الهرمي الذي يعتمده التنظيم في إدارة غنائم الحرب.

وتلقي وثيقة جديدة نشرتها رويترز، أول أمس الثلاثاء، الضوء من جديد على الطريقة التي يحاول التنظيم من خلالها إعادة تفسير نصوص دينية لتبرير الاستعباد الجنسي للنساء في الأراضي الخاضعة لسيطرته في العراق وسوريا. وقد أصدر فقهاء تابعون لتنظيم الدولة الإسلامية فتوى مفصلة للغاية عن أحكام جماع “ملك اليمين”، وهن النساء اللاتي يأسرهن التنظيم المتشدد. ومن بين الأحكام الدينية في الفتوى أنه لا يحل لأب وابنه مضاجعة نفس “الأمة” كما لا يحل لمن يملك أما وابنتها أن يعاشرهما معا. وإذا كانت “الأمة” ملك يمين رجلين فإنها لا تحل لهما لأنها تعتبر جزءا من ملك مشترك.

واتهمت الأمم المتحدة وجماعات معنية بحقوق الإنسان تنظيم الدولة الإسلامية بالخطف والاغتصاب الممنهج للآلاف من النساء والفتيات بدءا من سن 12 عاما وخاصة بنات الأقلية الإيزيدية في شمال العراق. ويحصل المقاتلون على الكثيرات منهن كغنيمة أو يتم بيعهن كسبايا. ولا يحاول التنظيم إخفاء الأمر بل على العكس يتفاخر به وقد أنشأ ديوانا لإدارة “غنائم الحرب”.

من أهداف الإسلام التي لا ينكرها أحد من العلماء القضاء على الرق والعبودية وهذا التنظيم يمارس عكس ذلك

وأجرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرا في أبريل الماضي استند إلى مقابلات مع 20 امرأة فررن من التنظيم وقلن إن تنظيم الدولة الإسلامية يفصل الشابات والفتيات عن الرجال والفتيان والمسنات. وجاء في التقرير أن “مقاتلي التنظيم عملوا منهجيا على فصل الشابات والمراهقات عن أسرهن وعن بقية الأسرى ونقلوهن من موضع إلى آخر داخل العراق وسوريا”. وأضاف أنهن أرغمن “على الزواج أو تم بيعهن عدة مرات في بعض الحالات أو وتم تقديمهن كهدايا” وأنهن تعرضن للاغتصاب أو العنف الجنسي مرة تلو الأخرى.

وتحمل الفتوى رقم 64 بتاريخ 29 يناير 2015، وهي صادرة عن لجنة البحوث والإفتاء في تنظيم الدولة الإسلامية، ويقوم نصّها في ما يبدو، بتنظيم العلاقات الجنسية بين مقاتلي التنظيم وسباياهم لتتوسع بذلك إلى أكثر من منشور كان قد أصدره تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014 ويتناول كيفية معاملة السبايا.

وتبدأ الفتوى بطرح سؤال عما إذا كانت هناك أي محاذير تتعلق بمسألة السبايا ثم تشير إلى أن بعض “الإخوة” ارتكبوا انتهاكات في ما يتعلق بمعاملة السبايا وأن “الشريعة الإسلامية لا تبيح ذلك”. وتستعرض بعد ذلك 15 حالة وتستفيض في شرح بعضها. فعلى سبيل المثال تقول إنه “إذا كان مقاتل يملك أمة وكانت ابنتها بالغة ووطأ الابنة فإن الأم لا تحل له”. وتضيف “إذا وطأ الأم فإن الابنة تصبح محرمة عليه”.

والاستغلال الجنسي للسبايا من قبل تنظيم الدولة الإسلامية موثق جيّدا، لكن كول بانزل، وهو خبير بارز في شؤون تنظيم الدولة الإسلامية بجامعة برينستون، قال إن الفتوى تتجاوز ما نشره المتشددون من قبل بشأن كيفية معاملة السبايا. وأضاف بانزل، الذي راجع الكثير من كتابات التنظيم المتشدد، “تكشف الفتوى عما يشغل بال من يملكون السبايا في الدولة الإسلامية بالفعل”. وأشار إلى أنه “ليس كل ما تتطرق إليه الفتوى يشير إلى انتهاك ذي صلة. لا تعني بالضرورة أن أبا وابنا يعاشران فتاة واحدة. إنها تنبيه لهم على الأقل، لكنني أراهن على أن بعض هذه الانتهاكات ترتكب”.

يحاول تنظيم داعش إنشاء وثائق تتم من خلالها إعادة تفسير نصوص دينية لتبرير الاستعباد الجنسي والقتل والسرقة

وتقول الفتوى أيضا “إنه يجب على من يملكون السبايا الرأفة بهن ومعاملتهن معاملة طيبة وعدم إهانتهن ولا تكليفهن بأعمال لا يمكنهن تنفيذها، كما لا يجب عليهم بيعهن إلى شخص يعلمون أنه سيسيء معاملتهن”.

ويردّ على هذه المزاعم الأستاذ عبدالفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، قائلا إن “هذا التنظيم لا علاقة له بالإسلام.. وجميع الآيات والأحاديث عن الرق تدعو إلى العتق، لا لامتلاك السبايا والعبيد، فعلى سبيل المثال التكفير عن ذنب يكون بالعتق”.

وأضاف “الإسلام جاء بالعتق وليس بالرق، كان الرق على الوضع الراهن عندما جاء الإسلام. اليهودية والمسيحية واليونانية والرومانية والحضارة الفارسية كلها مارست الرق وسبي النساء في الحرب، لذا فإن الإسلام حد من هذه الممارسة البغيضة وعمل على إزالتها تدريجيا”.

وفي سبتمبر 2014 وجه أكثر من 120 عالما من علماء المسلمين في أنحاء متفرقة من العالم رسالة مفتوحة إلى زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي وفنّدوا فيها المسوّغات الدينية التي تساق لتبرير الكثير من تصرفات التنظيم. وأشار العلماء في الخطاب إلى أن “من أهداف الإسلام التي لا ينكرها أحد من العلماء القضاء على الرق”، وأضافوا أن التنظيم عمل على “استئناف شيء تشوّف الشرع إلى الخلاص منه ومحرّم بالإجماع”.

13