"الفتى الأخير" دراما سينمائية منطلقها مقولة لجلال الدين الرومي

تراجيديا في الفيلم تعصف بالكائنات البشرية بسبب نفخة ريح، والاحتماء بالماء يُنجي من الهلاك.
الاثنين 2019/01/21
مواصلة السير عكس اتجاه الريح

تبحث سينما الخيال العلمي من خلال التجارب المتنوعة التي تقدمها عن قوى تمتلك في الغالب قدرة خارقة تفوق طاقة وقدرة البشر، وهو في كل الأحوال نوع من التحدي الذي يسهم في تحريك عاملين أساسيين، هما قوة الخيال ومساحته الواسعة والتصعيد الدرامي المفضي إلى الصراع.

اهتمت سينما الخيال العلمي في أكثر من فيلم بثيمة القوى الخارقة سواء تمثلت في قدرات أفراد قادمين من كواكب ومجرّات أخرى أو ببشر مهجّنين، أو تمثلت في ما وراء ذلك كلّه بما لا سيطرة عليه، وغالبا ما تكون الطبيعة هي التي ما وراء تلك القوة، الأمر الذي يجعل الفيلم أكثر إثارة وتشويقا.

وينحو فيلم “الفتى الأخير” (إنتاج 2019) للمخرج بيري باندال هذا المنحى، فبعدما كانت الأصوات والضوء ومياه البحار والعواصف تجتمع في قوة تعصف بالبشر، ها هي الريح تؤدي ذلك الدور.

وبدت الفكرة على قدر من الذكاء، بأن تندفع ريح محدودة باتجاه البشر فتجمّد من تطاله منهم ثم ما يلبث الكائن المستهدف أن يتحول إلى رماد، فأي تراجيديا تلك التي تعصف بالكائنات البشرية بسبب نفخة ريح.

تبدأ أحداث الفيلم بمقطع شعري أو مقولة لجلال الدين الرومي، نصّها “خارج مضمار كل الأفكار، كل مفاهيم الخير والشر، الفضيلة والخطيئة، هناك مرج واسع بلا نهاية، سألقاك هناك”.

واقعيا سوف يلتقي البشر المكلومون بسبب غدر الريح مع أعزّاء لهم وسيتكرر ذلك بما يبعث الأسى من تلك النهايات القاتمة. وحده الاحتماء بالماء سوف يُنجي البشر من الموت المحقق، وبذلك سوف نتوصل إلى شبه استنتاج بأن لا ناجين كثر قد تبقوا على سطح الأرض، وهي علامة أخرى في تجارب الخيال العلمي وخلاصتها كيف يدبّر الناجون شؤون حياتهم؟

مع المشاهد الأولى ومن خلال عدة لقطات على درجة من الروعة والجمال لطبيعة مفتوحة، سوف نتعرّف على الفتى الأخير سيرا (الممثل فيلن ألين) الذي يعيش إلى جوار والدته (الممثلة أنيتا بيوتروفسكا) وحيدين في شبه غابة تجاورهما بحيرة يصطاد فيها سيرا السمك بعد أن علمته الأم كيف يتحكم بالريح من خلال قوة الحواس بالتزامن مع جهاز كشف وتحكم.

تموت الأم ليعثر سيرا على فتاة صغيرة فقدت أهلها بسبب الريح فيسيران معا، ويقوم سيرا بإنقاذها مرارا، ثم يلتقيان بقس مخادع (الممثل بيتر غوينيس) الذي يوهم ثلة من الفتيات بأنه هو السبب في إنقاذهن من هجمة الريح بسبب قدراته الخارقة، بينما الحقيقة أن سبب نجاتهن هو حمل كل واحدة منهن دلوا من الماء فتبتعد الريح عنهن، ولكي يكشف سيرا خداع الكاهن يعمد إلى تهييج الريح صوتيا، فتهجم على الكاهن ويعجز عن حماية نفسه، فيموت.

تبدو تلك القصة الدرامية من البساطة في المعالجة لدرجة أنك ستتساءل: إلى أين ستنتهي طالما التحدي المتكرر هو الريح، ولكن ماذا بعد ذلك؟

يُوجد المخرج خطا سرديا ويدفع بحبكة ثانوية من خلال ظهور الضابط جاي (الممثل لوك غوس) الذي يبتكر هو الآخر خدعة تبعد عنه خدعة الريح، عندما يهرب من السيارة ويحدث ثقبا في زجاجها يجمع الريح من حولها لينجو هو ولينضم إلى سيرا وصديقته ثم لتنضم إليهم جيسي (الممثلة جينيفر سكوت) المتخصصة في الفيزياء الكهرومغناطيسية، والتي تحلل الظاهرة على أنها إشعاعية مدمرة تحرك طاقة الريح وتوظفها لاستهداف البشر.

وكأن الأماكن قد خلت تماما من البشر وباتت في مرحلة الانهيار العظيم، لكن الفيلم يستفيد إنتاجيا من ذلك القفر بالتصوير في أماكن حقيقية وأغلبها في الطبيعة الخضراء للريف الإنكليزي.

ومهما توغلنا في غرائبية تلك القصة فلن يشعر المُشاهد بالدهشة لا في التحولات والانتقالات المكانية ولا في توظيف الحبكات الثانوية وتصعيد الدراما، إلاّ أن الفيلم مع ذلك اقتضى حلا في الغرافيك والمؤثرات الصورية الخاصة بسبب متطلبات تصوير الريح في شكل هلام إشعاعي ساعة يهجم على ضحاياه حتى لا يبقى من الناجين الأربعة سوى سيرا وجيسي.

وإذا بحثنا في قدرات الممثلين التي قدمت لنا قصة درامية ممتعة، فلا شك أنه يجب علينا التوقف عند من أدى دور الفتى الأخير، سيرا، والذي أدى دوره بإتقان واسترخاء ملفت للنظر الممثل فيلن ألين، فضلا عن العلاقة البريئة التي ربطته بصديقته ليلي، حيث استطاع أن يستحوذ على أغلب مشاهد الفيلم، دون أن نشعر بالملل.

وبرز من بين العديد من المشاهد تلك التي تظهر فيها الشخصيات الراحلة وهي تستدعي أعزّاءها، كظهور زوجة الضابط ودعوتها له وانضمامه إليها ليواجه نهايته وكذلك نهاية ليلي المحزنة. والمشاهد التراجيدية لنهايات تلك الشخصيات تم تنفيذها ببراعة ملفتة للنظر من خلال التوغل في أقواس ضوئية وتركيب أسطواني بارع.

في المقابل، أربكت الموازنة ما بين الخيال العلمي وبين الدراما المتصاعدة رؤية المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو، إذ لم يتوصل لإنتاج صراع حاد بين الناجين وبين أي قوة مقابلة لهم، كما لم تتبلور قوى الصراع إلى مواجهة حاسمة بين أضداد تسهم في المزيد من المتعة على مستوى المشاهدة، بينما لجأ المخرج إلى حل مباشر تمثل في تلك المسيرة اليومية للناجين من الريح القاتلة.

16