الفجوة بين الأجيال.. ظاهرة آخذة في الاتساع

الجمعة 2014/01/17
ظهرت وسائل تربوية منافسة للأسرة زرعت قيما مغايرة وغريبة

القاهرة – مع تراجع دور الأسرة الممتدة ونتيجة لظهور آليات العصر الحديث التي تطورت بشكل غير مسبوق؛ مما نتجت عنه تبعات خطيرة في غياب الرقيب والموجه، أصبحت تمثل ظواهر في وقتنا الحالي مثل ازدياد وارتفاع معدل الجريمة في المجتمع.

وقد أرجع خبراء في علم الاجتماع هذا الارتفاع إلى دخول وسائل وأساليب ساعدت على تكوين طموحات أخرى لدى النشء لم تكن موجودة من قبل مثل الفضائيات والإنترنت.. والشيء الذي ساعد هذه الأساليب على السيطرة والاستفحال غياب وسائل التربية نتيجة لانشغال الوالدين بالسعي وراء العمل، مما أوجد قصورا في أسلوب الرقابة والمتابعة الأبوية إلى جانب غياب دور الدعاة المسلمين في ظل تداخل مفاهيم كثيرة.

من هنا كان رأي العلماء والمهتمين بأنه لابد من غلق هذه الفجوة لتأثيرها الحتمي على سلوك النشء، الذين هم في المقام الأول اللبنة الأولى للتنمية وطلائع المستقبل.. ولا عجب أن يقوم الدين الإسلامي بإدراك هذه الفجوة منذ آماد بعيدة ويتحدث ويشير إليها بل ويصف لنا حالات العلاج لها ويؤكد على دور رجال الدعوة والدين في إعطاء إجابات شافية بخصوصها.. فقد أرسى الدين الأركان الأساسية التي يجب أن تقوم الأسرة على أساسها في المجتمع الإسلامي.. وحدد طبيعة العلاقات بين أفرادها بما يتيح لهؤلاء التفاهم والتعاون والتكامل لما فيه صلاح الأسرة، ومن ثم المجتمع.. هذا ما أقره الدين الإسلامي بخصوص هذه الفجوة التي حدثت وتحدث بين الأجيال طالما أن هناك حياة.

وما يجعل الأمر خطيرا هو تلك العزلة الحاصلة بين الآباء والأبناء لأنها تولد أمراضا نفسية واجتماعية تشجع على انتشار الجريمة

وأكد الدكتور رشاد علي عبدالعزيز أستاذ علم النفس بكلية التربية جامعة الأزهر قائلا: إن قضية الفجوة بين الأجيال قضية شائكة.. وطرحها بالتالي يفتح الباب لعدة أسئلة من قبيل؛ هل فعلا هناك فجوة؟ وإن وجدت فما هي الأسباب التي أدت إليها؟ وكيف يكون العلاج؟ وما يجعل الأمر خطيرا هو تلك العزلة الحاصلة بين الآباء والأبناء وهذا ما ينذر بالخطر لأنه يساعد في إيجاد أمراض نفسية واجتماعية لأنه يساعد على وجود الجريمة نتيجة لغياب الرقيب في الأسرة.. أما أهم أسباب تكوّن هذه الفجوة، والكلام على لسان الدكتور رشاد، أنها أتت كنتيجة مباشرة لاختلاف منظومات القيم التي يعتمد عليها كل جيل، فكما كانت هناك في السالف بين آبائنا وأجدادنا فإنها تحدث الآن بيننا وبين أبنائنا، ولكن الخطورة تكمن في اتساعها بهذا الشكل إلى درجة أن القيم التي تربى عليها جيل الآباء قاربت على الاختفاء نتيجة لظهور قيم بديلة قامت باحتلال مكانها.. والذي ساعد على هذا غياب الدور الأسري في التربية.. حتى أن الوالدين تركا الدور الذي من المفروض أن يؤديانه إلى غيرهما فظهرت المربية ذات المستوى الأخلاقي المغاير واستفحل دورها نتيجة لغياب الأم في العمل.. والدين الإسلامي لم يرفض عمل المرأة لكن بشرط أن تؤدي واجباتها تجاه أسرتها.

وأشار الدكتور رشاد عبدالعزيز إلى أن دور الأسرة في الماضي كان من الأهمية بحيث أنه كان مصدرا مهما للقيم والسلوكيات التي ينهل منها النشء، حتى ظهرت وسائل تربوية منافسة للأسرة مثل الفضائيات والإنترنت التي قامت بزرع قيم مغايرة وغريبة عن مجتمعاتنا، فأدى ذلك إلى تضارب في الفكر بين الجيل الذي تربى على القيم الأساسية للدين الإسلامي، والجيل الحالي الذي تربى على قيم دخيلة لا صلة لها بالإسلام.. مما ساهم في اتساع هذه الفجوة التي نحن بإزائها والصدع الذي أرقنا.

لابد من غلق هذه الفجوة لتأثيرها الحتمي على سلوك النشء الذين هم في المقام الأول اللبنة الأولى للتنمية وطلائع المستقبل

ويرى الدكتور رشاد عبداللطيف أستاذ تنظيم المجتمع، بكلية الخدمة الاجتماعية بجامعة حلوان أن أسباب هذه الفجوة، هي أن الأم تترك أبناءها لغيرها في حين ينشغل الأب بمسألة الاكتساب فبالتالي يلجأ الأبناء إلى الغير فيترتب على هذا أن تكون القيم المكتسبة قيما مغلوطة، أيضا اهتمام الأب والأم بأبنائهم اهتماما سطحيا دون ترجمة حقيقية لهذا الاهتمام مما يشعر الطفل بالإحباط إلى جانب عدم وفاء الآباء بما قطعوه على أنفسهم من وعود تجاه الأبناء وهنا ينظر الابن إلى أبيه كرجل غير مسؤول.

أما الدكتورة ملك يوسف زرار أستاذ الشريعة بالجامعات العربية والإسلامية فترى أن تلك الفجوة هي قضية تخص الدعاة الإسلاميين في المقام الأول، لذلك يجب طرحها ومناقشتها بينهم للخروج بآراء مختلفة تساعد على درء مخاطرها، ثم يتم فتح قنوات الحوار بينهم وبين الشباب للحديث فيها؛ لأن الملاحظ بشدة أن هناك فجوة فعلية بين علماء الدين والشباب أعادت لنا ذكرى العصور الوسطى؛ حيث كانت الكنيسة هي المسيطر على أمور الدين ولا يجوز لأحد الخوض في أي موضوع يخص الدين إلا من خلالها وبمباركتها، مما أثر على كل العلاقات الاجتماعية وقتها، مثل قهر المرأة وعدم تحقيق رغبتها حتى في الزواج بمن تحب ولم يكن لها أن تضج بالشكوى، ومن ثم ساءت علاقتها بأبنائها مما أدى إلى انحرافهم وازدياد نسبة الجرائم في ذاك الوقت.. وهذا ما نعاني منه الآن حيث أن كثيرا من رجال الدين بنوا لأنفسهم صوامع كي يعيشوا فيها بمعزل عن الناس..

من هنا كان تأكيد الدكتورة ملك على أن الإسلام دين حرية وإبداع وليس دين كهنوت فكل إنسان حرّ في ما لا يضر غيره وطالما لم يتعد الحدود الشرعية.. ومن حق الجميع أن يتحدثوا في شأن دينهم ويفيدوا ويستفيدوا.. ولنا في السلف الصالح الموعظة وقديما قال “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه “أصابت امرأة وأخطأ عمر”، لذا فهذه الفجوة ترجع إلى غياب دور الدعاة ورجال الدين فغاب بالتالي الوعي الديني إلى جانب غياب دور الوالدين وتفكك الأسرة فظهرت هذه الفجوة.

21