الفجوة بين المقررات الدراسية والواقع تتضاعف في عصر التحول الرقمي

ريادة الأعمال تمثل السبيل أمام الشباب للحصول على فرصة عمل، تتطلب في الوقت ذاته أساسا معرفيا وقدرات على الابتكار.
الأحد 2019/12/22
ضرورة تطوير المناهج الدراسية لتواكب الثورة الصناعية الرابعة

يعيش الشباب العربي في مفترق طرق مع التغيرات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد وانزواء التخصصات الدقيقة لصالح المهارات الأوسع، وتنامي الخدمات على حساب الصناعات، والاتساع المستمر في الفجوة بين المناهج الدراسية والواقع في عصر التحول الرقمي.

وتشهد أسواق العمل العربية تغيرات هيكلية، يُفرض معها تطوير العملية التعليمية لجعل مخرجاتها أكثر اتساقا مع متطلبات التشغيل في عصر يتنامى فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي الذي يحد من مساهمات العنصر البشري.

يقضي الشباب العربي قرابة 15 عاما في المتوسط خلال المراحل التعليمية المختلفة ليخرج في النهاية الكثير منهم بلا قدرات تؤهلهم لسوق العمل، ويضطرون إلى استنزاف سنوات إضافية من أعمارهم في دورات تأهيلية على أمل اللحاق بفرصة عمل.

وحذر خبراء من أن التحول إلى العالم الرقمي يسبب انقراض الكثير من المهن، ويتطلب مهارات متعددة للخريجين، وتطوير المناهج الدراسية لتواكب الثورة الصناعية الرابعة.

وتبدو الكثير من المؤسسات التعليمية العربية منعزلة عن التطورات التي يشهدها الواقع، فغالبية كليات الهندسة والمدارس الفنية الصناعية في مصر تحافظ على قسم خاص لصناعة الغزل والنسيج وتصمم على مقرراتها الكلاسيكية المتعلقة بصناعة الخيوط الصوفية عبر آلات اختفت من الوجود.

يقول محمد محمود، الذي أمضى 5 سنوات في دراسة الغزل والنسيج بجامعة المنصورة، في شمال القاهرة، إنه تلقى صدمة مع نزوله إلى سوق العمل، بعدما قام بنسخ عشرات الوثائق التي تتضمن سيرته الذاتية، وانطلق باحثا عن وظيفة في المصانع قبل أن يعرف أن دراسته بعيدة عن الواقع.

ومن المفترض أن تؤهل المقررات، التي درسها الشاب (24 عاما)، الخريجين للعمل بالمصانع التي تعتمد على القدرات البشرية كعنصر أساسي في الصناعة وتغفل الدور الكبير الذي تلعبه التكنولوجيا، ما يضطره إلى نسيان ما درسه والتدرب من جديد للحاق بفرصة في مصنع صغير.

أنهى الشاب حياته التعليمية بعقل متخم بمعلومات عن ريادة صناعة النسيج في بلاده، ليصطدم بعد التخرج بأن الصناعة تواجه تحديات ضخمة، وإغلاق عشرات المصانع لعجزها عن التطور أو منافسة إغراق الأسواق بمنتجات أجنبية رخيصة.

ويسخر الشاب حينما يتذكر قائمة المواد التي درسها في خمس سنوات، والتي بدأت غالبيتها بكلمة تكنولوجيا مثل “تكنولوجيا تريكو” و”تكنولوجيا نسيج” وغيرها، وباغتته ابتسامة عريضة حين تذكر مادة “تصميم الماكينات، فحينها تخيل نفسه مخترعا.

وتظل الفجوة متسعة بين مخرجات العملية التعليمية، سواء كانت جامعية أو متوسطة، واحتياجات سوق العمل في ظل غياب الخطط التي تمكن من تقليص عدد الخريجين في تخصصات معينة لصالح أخرى أكثر طلبا.

"إنترنت الأشياء" تفتح آفاقا أرحب في سوق الشغل
"إنترنت الأشياء" تفتح آفاقا أرحب في سوق الشغل

وفقدت علياء حمدي (26 عاما) الأمل في الحصول على فرصة عمل بأحد البنوك منذ تخرجها في كلية التجارة قبل خمس سنوات، مع طلب القطاع المصرفي لخريجين باشتراطات قاسية لا تستطيع تحمل تكلفتها المالية، فلجأت إلى “البيع عبر الهاتف” لإحدى الشركات. وتقول علياء لـ”العرب”، إن المشكلة ليست في غياب فرص العمل، لكن في عدم التوجيه الصحيح للطلاب قبل دخولهم الجامعة لاحتياجات الشركات من العمالة.

وتشهد المدارس الزراعية بمصر تقلصا في أعداد الملتحقين بها باستمرار رغم تدشين الحكومة مشروعات زراعية ضخمة.

وأكد عطية صلاح، مهندس زراعي (30 عاما)، أن إشكاليات كليات الزراعة تكمن في تشعب الأقسام التي تضمها إلى قرابة 15 تخصصا دقيقا، وكل خريج منها لا يتمتع بخبرات أكثر من مجاله، وأضاف لـ”العرب”، أن الإفراط في التخصص مع قلة الخبرة يمثل العائق الأساسي أمام الشباب.

ولم تكابد الأجيال الوسيطة أزمات الشباب حاليا، رغم أن المناهج الدراسية تكاد تكون واحدة مع استثناءات بسيطة، واستفادت من مقررات دراسية تم إلغاؤها تعتبر الأنشطة الإنتاجية متطلبات أساسية لا تقل عن المواد التعليمية، ووفرت عبر حصص الاقتصاد المنزلي للفتيات صناعات صغيرة، مثل النسج اليدوي والمنتجات الغذائية، كما منح المجال الصناعي عن أساسيات صناعات الأخشاب والكهرباء وتوصيلات السباكة والمياه.

ويخلص الكثير من الشباب الذين يتعاملون مع العمل ببراغماتية، إلى أن مقتضيات العصر ترتبط باقتناص الفرص ونسيان الأحلام، فيحاول بعضهم إدارة مشروعات خاصة لكن تواجههم عقبات تتعلق بفقدانهم مؤهلات تجنبهم خطر الإغلاق السريع.

كما لا يزال الشباب العربي بعيدا عن عالم صناعة الترفيه، رغم احتلاله مرتبة متقدمة في استهلاكها عالميا، مثل الألعاب الرقمية التي أصبحت صناعة جادة يبلغ حجمها 120 مليار دولار سنويا، كما لا يشاركون بقوة في “إنترنت الأشياء” التي تسيطر على قرابة تسعين بالمئة من البيانات الموجودة خلال العامين الماضيين.

ويشير صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد وعميد المعهد العالي للحاسب الآلي ونظم المعلومات الإدارية بمصر، إلى أن بعض الدول العربية بدأت عصر التحول الرقمي الذي يعتمد على التقنيات الحديثة في إدارة الأعمال، لكن تحتاج تلك المشروعات إلى نوعيات من العمالة غير متوفرة بكثرة.

وتعتبر التجربة الإماراتية في التحول الرقمي مصدر إلهام للشباب العربي، بعدما قفزت في مؤشر التنافسية الرقمية الذي يصدره المعهد الدولي للتنمية الإدارية بمدينة لوزان في سويسرا، إلى المرتبة الثانية عشرة في العام 2019، بفضل الأداء القوي في مؤشر التكنولوجيا والاستعداد للمستقبل ورعاية المواهب ومرونة الأعمال والذكاء الاصطناعي.

ولفت فهمي، لـ”العرب”، إلى أن ريادة الأعمال تمثل السبيل أمام الشباب للحصول على فرصة عمل، تتطلب في الوقت ذاته أساسا معرفيا وقدرات على الابتكار للوصول إلى منتج يحمل قيمة مضافة للاقتصاد لضمان الاستمرارية، في المقابل ينتقد خبراء اعتبار ريادة الأعمال سلكا وظيفيا.

تشهد فرص العمل العالمية تغيرات مستمرة في مجال التكنولوجيا، ولم تعد التخصصات المتعلقة بالبرمجة التقليدية مطلوبة في عصر الذكاء الاصطناعي والتعليم الآلي والروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد.

19