الفجوة تتسع بين روسيا والتحالف الأوروبي الأميركي

الجمعة 2014/07/11
التوجه الأوروبي نحو كييف ينهي حلم بوتين بتشكيل شراكة سياسية واقتصادية أوراسية

كييف- المواجهة الحالية بين روسيا والغرب تجاه أوكرانيا، ذات تاريخ طويل، ولها أبعاد حضارية واستراتيجية وجيوسياسية واقتصادية وهي تتشابه في جانب منها، وفق المراقبين، مع الأزمة السورية حيث تحرّك الأجندات الخارجية والمصالح الدولية الأحداث.

يعتبر محللون أن أوكرانيا هي التي تصنع صورة روسيا كقوة عظمى، أو هي التي تكسر هذه الصورة، ويضيفون أن روسيا من دون أوكرانيا هي مجرد بلد، بينما روسيا مع أوكرانيا هي إمبراطورية. لذلك تدحرجت الأزمة الأوكرانية ككرة الثلج وتصاعد نسقها. وتحوّلت، كغيرها من الأزمات على مدى التاريخ الأوكراني، من صراع داخلي إلى أزمة دولية بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

اندلعت الأزمة في أوكرانيا في نوفمبر الماضي في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما رفض الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش اتفاقية تؤمن المزيد من التقارب الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي لصالح التقارب مع روسيا. وتطوّر الأمر إلى مواجهات مع القوى الأمنية وسقوط قتلى ثم توسع سيطرة المعارضين لحكم الرئيس المقرّب من روسيا فيكتور يانوكوفيتش وصولا إلى عزله.

لكن للأزمة جذورها، فأوكرانيا بلد متعدد الإثنيات والأعراق والأديان واللغات. وهو منقسم بين شرق يتكلم سكانه الروسية ويرون في روسيا بلدهم الأم، ويانوكوفيتش واحد من هؤلاء، وبين غرب يتكلم اللغة الأوكرانية ويدعو إلى الانضمام لأوروبا.

فالانقسام إذا سياسي ثقافي اقتصادي، ويجد عمقه في أزمة الهوية التي يعيشها البلد الذي نال استقلاله في عام 1991 بعد سقوط الاتحاد السوفيتي السابق.

روسيا تسعى إلى تطبيق سياسة "الضم اللين" أي استخدام القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية لكسب النفوذ

وفي هذا الإطار يشير الباحث الهندي تلميذ أحمد، في تقرير صدر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، إلى أن المواجهة الحالية بين روسيا والغرب، حيال أوكرانيا، ذات تاريخ طويل، ولها أبعاد حضارية واستراتيجية وجيوسياسية واقتصادية. فالمشكلات الأخيرة المتعلقة بأوكرانيا تعود إلى سقوط جدار برلين وتَفكُّك الاتحاد السوفيتي بعد ذلك بوقت قصير، حين سارعت عدّة دول غربية باستغلال ضعف روسيا وتحركت في تسعينات القرن الماضي لإدماج دول أوروبا الوسطى والشرقية المحررة حديثا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ولم يبق خارج أحضان المؤسسات السياسية والاقتصادية الغربية سوى أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا وبيلاروسيا.


الضم اللين


وصلت طلاقة يد الغرب في تسعينات القرن الماضي إلى نهايتها مع ظهور فلاديمير بوتين، كبديل، رئيسا لوزراء روسيا ورئيسا من عام 1999. وكما أشار الباحث الأميركي ف. ستيفن لارابي، فإن روسيا في عهد بوتين “تسعى إلى إعادة تأسيس نفوذها في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي، وتريد تغيير نظام ما بعد الحرب الباردة الأمني في أوروبا”. ويتحدى بوتين الآن، بشكل مباشر، محاولات الغرب توسيع نفوذه شرقا، ويصرّ على الحساسية تجاه مصالح روسيا الأمنية. وعلى وجه التحديد، تؤكد روسيا أن لها “مصالح مميزة” في بلدان الاتحاد السوفيتي السابق. أما الولايات المتحدة فترفض رفقة حلفائها الغربيين مثل هذا الادعاء بمناطق النفوذ وتروّج لفكرة أوروبا ككيان موحد.

صورة فلاديمير بوتين تتدهور في العالم
واشنطن - أظهرت دراسة أميركية أن صورة روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين تتدهور في العالم وخصوصا في أوروبا والولايات المتحدة بعد الدور الذي لعبته موسكو في الأزمة الأوكرانيّة.

وتراجعت صورة روسيا خلال عام بحصولها على 43 بالمئة من الآراء السلبية مقابل 34بالمئة من الآراء الإيجابية، بحسب الدراسة التي أجراها معهد بيو للأبحاث بين 17 مارس و5 يونيو وشملت 48643 شخصا من 44 دولة من بينها روسيا. وتم استطلاع جميع الأشخاص بعد صدور إعلان فلاديمير بوتين في 18 مارس بشأن ضم منطقة القرم الأوكرانية.

وتراجعت الآراء المؤيدة لروسيا إلى حد كبير خلال عام، وخصوصا في الرأي العام الأميركي حيث ازدادت الآراء السلبية بمقدار 29 نقطة والرأي العام الأوروبي .وتظهر بولندا وبريطانيا وأسبانيا وألمانيا وإيطاليا بصورة خاصة زيادة في الآراء السلبية تفوق 10 نقاط مئوية.

وفي فرنسا ازدادت الآراء السلبية حيال روسيا ورئيسها بتسع نقاط لكن صورة روسيا في هذا البلد كانت خلال العام 2013 الأكثر تدهورا بين جميع الدول الأوروبية المستطلعة بمستوى 64 بالمئة من الآراء السلبية، حيث ارتفعت نسبة هذه الآراء الآن إلى 73 بالمئة.

أما الأوكرانيون أنفسهم فقد تبدل رأيهم بروسيا بشكل تام منذ 2011، العام الذي جرى فيه آخر استطلاع للرأي. فقد أبدى 60 بالمئة آراء سلبية مقابل 11 بالمئة قبل ثلاث سنوات، والأرقام تختلف بحسب المناطق حيث تتركز الآراء السلبية في الغرب (83 بالمئة) أكثر منها في الشرق الناطق بالروسية (43 بالمئة). أما في القرم فتراجعت هذه النسبة إلى 4 بالمئة فقط.

كذلك تدهورت صورة روسيا في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. وفي آسيا فإن صورة روسيا تتعزز في الصين مع تقدمها 16 نقطة، وتسجل غالبية من الآراء الإيجابية كما في فيتنام وتايلاند وبنغلادش.أما بالنسبة إلى الرئيس الروسي ولقدرته على “اتخاذ القرارات الجيدة في شؤون العالم”، فإنّ الغالبية الساحقة من المستطلعين لا يثقون به، باستثناء في روسيا والصين وبنغلادش وفيتنام وكينيا وتنزانيا وغانا.

ويضيف تلميذ أحمد، في تحليله، أن روسيا تسعى إلى تطبيق ما أسماه الباحث توماس دي وال “الضم اللين”؛ أي استخدام القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية لكسب النفوذ في بلدان تقع على حدودها وتخوض صراعات داخلية. وهكذا، تدخلت روسيا في أوكرانيا وسط مخاوف من إدخال البلاد في الفلَك الغربي بداية من خلال برنامج الشراكة الشرقية للاتحاد الأوروبي، التي يمكن أن تتطور على مرّ الزمن إلى عضوية كاملة في الاتحاد الأوروبي ومن ثم العضوية في حلف شمال الأطلسي مما يجعل البراعة العسكرية الغربية تصل إلى حدودها.

ولسيناريو أوكرانيا الجيوسياسي أهمية خاصة، تكمن في تشجيع الغرب وروسيا على التنافس على النفوذ، وفق تلميذ أحمد. فإقليميا، تأتي أوكرانيا في المرتبة الثانية بين كبرى بلدان أوروبا، بعد روسيا، وتشترك مع روسيا بحدود يبلغ طولها 1,576 كلم. وهي مركز رئيسي للإنتاج الصناعي والدفاعي، وتتمتع بإمكانات زراعية كبيرة. وأوكرانيا مركز رئيسي أيضا لعبور الطاقة؛ حيث تتلقى أوروبا أكثر من 30 بالمئة من إمدادات الغاز من روسيا، نصفها يمرّ عبر أوكرانيا. لذا تحتل أوكرانيا مكانة خاصة بالنسبة إلى المصالح الروسية في محيطها الغربي. وكما أشار لارابي، فإنّ “اندماج أوكرانيا في الهياكل الغربية سيحوّل التوازن الاستراتيجي في أوروبا”، وينهي رؤية بوتين بتشكيل شراكة سياسية واقتصادية أوراسية تقودها روسيا.


الانعكاسات العالمية


يرصد الباحث تلميذ أحمد الانعكاسات العالمية للأزمة الأوكرانية، مشيرا إلى أنّ التأثيرات المترتبة عن المنافسة الجيوسياسية بين روسيا والغرب بشأن أوكرانيا لا تقتصر على أوروبا. فقد كتب إيان بلاك، محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة الغارديان، أن أصداء الحرب الباردة في أوكرانيا “يمكن أن تؤثر في بعض من أصعب مشكلات عالم اليوم المتعدد الأقطاب”. وتنبثق هذه المخاوف من حقيقة أن التعاون بين روسيا والولايات المتحدة لعب دورا بنّاء في معالجة القضايا الكبرى مؤخرا؛ وكان عاملا حاسما في قرار الولايات المتحدة القاضي بعدم الشروع في هجوم عسكري ضد سوريا، وتمخّض في ما بعد عن تدمير الأسلحة الكيميائية السورية برعاية الأمم المتحدة.

الفجوة بين الولايات المتحدة وروسيا قد تشجّع إيران على اتخاذ مواقف أكثر تصلبا في المحادثات النووية

وفي حال تفاقَمت الخلافات بين الولايات المتحدة وروسيا، سيغدو من الصعب أن نرى تعاون القوى الكبرى لمعالجة القضايا الأخرى التي تزعزع استقرار السيناريو العالمي اليوم، مثل سوريا وأفغانستان، أو حتى المفاوضات مع إيران. وقد ألمح المراقبون أيضا إلى أن الفجوة بين الولايات المتحدة وروسيا قد تشجّع إيران على اتخاذ مواقف أكثر تصلبا في المحادثات النووية؛ وفي سيناريو أسوأ الحالات، قد تقوم روسيا حتى بتخريب محادثات مجموعة “الخمسة +1".

يختم الباحث والدبلوماسي الهندي، تلميذ أحمد، قراءته للأزمة الأوكرانية وتداعياتها الدولية، مشيرا إلى أن ثمة مخاوف تتعلق بظهور حرب باردة جديدة قد تجعل الغرب يصطف ضد تحالف صيني-روسي، الأمر الذي يمكن أن يؤدي بدوره إلى تفاقم عدم الاستقرار العالمي، وخاصة إذا جرى تشجيع دول أخرى على الاصطفاف سعيا لتحقيق مصالح أمنية مباشرة. فعلى سبيل المثال، قد تسعى اليابان وكوريا للانضمام إلى التحالف الغربي نتيجة مخاوف من عدوانية صينية، كما يمكن أن تنضم إيران إلى الشراكة الصينية-الروسية نتيجة العداء الغربي المستفحل ضدها. ويمكن أن تَتمثّل النتيجة الفورية لهذا الانقسام في تداعي التحالف العالمي ضد القوى المتطرفة، التي تنتشر في غرب آسيا وشمال أفريقيا. وعليه، قد نشهد تكرارا للأحداث الأخيرة في العراق وفي بلدان أخرى، بدءا من سوريا وليبيا وربما نيجيريا وباكستان. وفي هذه الحالة، لن يكون أي بلد في جنوب وغرب آسيا وأفريقيا آمنا حقا.

7