الفخار وجه نابل التونسية المشرق يودع أيام الازدهار

ورش الأواني الفخارية تتقلص بعد صمود منذ الحقبة القرطاجية والرومانية.
الثلاثاء 2020/09/29
غاب السياح فكسدت تجارة الفخار

رافق الفخار الإنسان منذ بحثه عن الاستقرار، وتطورت صناعته في مدينة نابل التونسية من خلال مواكبة الذوق العام فتعددت أشكاله وزخرفته، لكنه اليوم يعاني من الركود بعد غياب السياح، فقلّت الورشات وما بقي منها صامدا يخشى الإفلاس.

نابل (تونس) – تنتشر المصانع الطينية والورش على الطرق المؤدية إلى مداخل مدينة نابل والجرار العملاقة والقلال وأواني الفخار على حافتي الطريق. وفي آخر الطريق، ينتصب تمثال لحرفي صانع للفخار في مشهد يرسخ تاريخا طويلا لهذه الصناعة الممتدة إلى نحو 1500 عام.

على طول بضع كيلومترات وعلى الطريق المحاط بالغابات على أطراف المدينة، يتصاعد الدخان من الأفران بالورشات الطينية وقد طغى السواد على جدرانها، فيما يستلقي عمال على جانبها لأخذ قسط من الراحة من شدة الحر المنبعث في الأفران.

يبدأ العمال عملهم باستخراج الطين من المحاجر الكبيرة المجاورة للمدينة ثم يقومون ببله وتخزينه رطبا حتى يستوي، وبعد ذلك يقومون بتجفيفه وطحنه ومن ثم يترك لفترة لتتفاعل مكوناته حتى يتحول إلى عجين طيع بين يدي الخزاف.

ولا تختلف طرق صناعة قطع الفخار والخزف في أغلبها عن بداياتها قبل قرون في المدينة.

يؤرخ الموقع الرسمي لولاية نابل أن جل الورشات كانت في ما مضى مجمعة في حي واحد يسمى “القلتة” لم يبق منها اليوم سوى ورشتان صغيرتان، ثم نقل “حي الخزافين” في القرن العشرين إلى خارج المدينة على الطريق المؤدية إلى العاصمة تونس التي تبعد نحو 60 كيلومترا، وأصبحت منطقة صناعية مختصة في حرف اللهب والطين بورشاتها الصغيرة ومعاملها الصناعية الكبرى.

في تلك الورشات تحافظ صناعة الفخار في نابل ومنذ عدة قرون، تحديدا الحقبة القرطاجية والرومانية، على استخدام طرق تقليدية تستعمل الطين الطبيعي حيث تجري تسويته في أفران تفوق حرارتها 900 درجة.

يقول المؤرخون إن ورشات صناعة الفخار في نابل التي تعرف باسم نيابوليس في العصور القديمة، كانت تصدر منتجاتها عبر السفن التجارية إلى كل المدن المطلة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط. وتدل على ذلك القلال والجرار والأواني التي عثر عليها في حفريات حديثة بنابل ومدينة الحمامات المجاورة.

الحرفيون يهدرون المهنة
الحرفيون يهدرون المهنة

كانت الجرار تستخدم لخزن الزيت والقلال لجلب الماء من الآبار. وبحسب سجلات المحافظة الواقعة بشمال شرق تونس، تشتهر عائلات بعينها ممن ذاع صيتها عبر أجيال بالتخصص في صناعة الفخار مثل عائلة بن سدرين والمجدوب، وخاصة عائلة الخراز المنحدرة من أصول أندلسية، كما يدل على ذلك اسمها المشتق من كلمة الكرازاز الإسبانية والتي تعني القلة الصغيرة المستعملة لتبريد الماء.

ومن بين تلك العائلات تحتفظ عائلة “القرقني” بمصنعها في حي الخزافين منذ سبعينات القرن الماضي وتقوم بتسويق منتجاتها من الفخار في “مغازة فيصل القرقني” الواقعة بسوق الصناعات التقليدية بوسط المدينة.

لكن الوضع في السوق ودع الأيام الخوالي حينما كان تجار الفخار يحققون أرباحا مهمة، بسبب توقف الرحلات الدولية وتعثر قطاع السياحة والأزمة الاقتصادية في البلاد.

يقول العامل الخمسيني في المغازة أحمد الحاج، “الوضع خلال العقود الأولى كان أفضل بكثير. الأسواق السياحية التي تزور تونس كانت مختلفة. أغلبهم من أوروبا الغربية من ذوي الدخل العالي”.

ويضيف أحمد “تغيرت الأوضاع منذ التسعينات وسائح اليوم لم يعد كما في السابق. عدد السياح الفرنسيين والألمان تقلص عما كان عليه في السابق”.

وضاعف من محنة السوق غلق الحدود مع دول الجوار ليبيا والجزائر بسبب الوباء. وكان لهذا القرار من قبل السلطات الجزائرية أثر بالغ على الاقتصاد في ولاية نابل إذ يمثل الجزائريون العدد الأكبر من السياح الوافدين على نابل على مدار العام.

وإلى جانب تقلص مبيعات صناعة الفخار، بات الإفلاس يهدد التجار والنزل والإقامات الفندقية في الجهة التي تحصد أرباحا من حركة السياح الجزائريين.

تجارة الفخار كانت منتعشة على مدار العام قبل أزمة كورونا
تجارة الفخار كانت منتعشة على مدار العام قبل أزمة كورونا

وبالنتيجة اضطرت مغازة القرقني إلى التخلي عن الصناع والإبقاء على الحاج أحمد فقط. وعلى الرغم من الأزمة، نجحت المغازة في تأمين الحد الأدنى من الدخل الذي يسمح بتغطية المصاريف ونفقات الكهرباء والضرائب وأجرة العامل.

ويقول الحاج أحمد إن تجارة الفخار قبل أزمة كورونا كانت منتعشة على مدار العام وتشهد ذروتها في فصل الصيف وخلال شهر رمضان. ويضيف “برغم كل الظروف نابل تظل عاصمة للفخار وهي تستقطب الباحثين عن هذه الأواني المميزة من كامل جهات البلاد”.

وسبب هذه الشهرة الواسعة أن للفخار في نابل عراقة وميزة مختلفة عن باقي جهات البلاد كما تعرف بذلك الولاية.

مثلا، تنفرد المدينة بنوع من الخزف المطلي بأكسيد الرصاص وألوانه المتميزة الصفراء والخضراء إلى جانب زركشة بيضاء وزرقاء. ويرجع استعمال أكسيد الرصاص إلى بداية القرن السادس عشر حين استجلبه الأندلسيون.

وهناك الخزف التقليدي المسمى بالخزف العربي ذو الألوان القصطلية المرسومة على مساحات صفراء داكنة فيعود إلى قدوم الخزافين من جزيرة جربة جنوب البلاد في بداية القرن السابع عشر. كما ينتشر الخزف من طراز “القلالين” الذي يعود إلى الخـزافين القادمين إلى نابل من حي الخزافين بالعاصمة والمعروف بالقلالين.

وفي بداية القرن العشرين، انتشر صنف جديد من الخزف يتميز بتعدد الألوان والرسوم والتفنن في الزركشة لجلب السياح، وهي طرق مستحدثة لمجاراة العصر.

يقول أحمد، “السوق تلبي رغبات الجميع. هنا في نابل يمكن العثور على كل ما تبحث عنه العائلات لتأثيث بيوتها من الفخار والخزف المميز. السياح أيضا يبدون إعجابهم بما ينتجه الحرفيون”.

مدينة البرتقال والخزف
مدينة البرتقال والخزف

 

20