الفدراليات والأقاليم المستقلة.. ثمار ثورات "الربيع العربي"

الجمعة 2013/11/29
خطوات متعثرة للحوار الوطني تزيد من أزمة اليمن

منذ مطلع التسعينات بدأ هاجس إعادة صياغة تقسيم المنطقة والمشرق العربي تحديدا، فبعد أفول نجم نظام ثنائي القطبية بسقوط الكتلة الشرقية وانتهاء الحرب الباردة ظهرت جملة من التطورات والتحوّلات. لم يدرك العرب حينها طبيعة تلك التحولات، ووقعوا في فخّ تسميم العلاقات بين العراق والكويت، الذي انتهى بصورة درامية. وقد استنفدت قوة العراق بحصاره لنحو ثلاثة عشر عاما انتهى بغزوه وسقوط بغداد. حينها دخلت المنطقة فصلا جديدا من التحولات، فبعد سنوات من سقوط بغداد اندلعت ثورات الربيع العربي. لم يكن العراق الجديد مثالا يُقتدى به ونموذجا للديمقراطية المنشودة في المنطقة، بل كانت النتيجة عكسية.

واليوم، بعد أكثر من عقدين على النظام الدولي الجديد، وأكثر من عقد على سقوط بغداد، وفي تقييم للحالة نرى أن المخططات قد نفّذت بدقة، سواء في تمرير مشاريع التسوية أو في مفاهيم شكل الدولة الإقليمية، فبدلا من الرؤية الصائبة لجوهر الإشكال في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فهي لا تختزل في شكل الدولة ولا نوع النظام، بل في خلق ثقافة ومفاهيم عملية للديمقراطية وإرساء دولة مدنية تسودها المساواة والعدل دون تهميش وإقصاء للأقليات والأثينيات ونحو ذلك من القيم التي تنادي بها المفاهيم الديمقراطية، وليس مجرد مظاهر خادعة على النحو الذي سارت به معظم الأنظمة الشمولية.

من هنا أتاحت هذه المعطيات تحولا غربيا جديدا في تناول القضايا العربية تجسد في ظهور دعوات لمراكز بحوث ودراسات غربية تعكس الرأي العام قبل أن تمثل الدول ذاتها، وتزامن ذلك مع نظرة تلك القوى إلى المنطقة بعد نهاية الحرب الباردة وتداعيات أحداث 11 سبتمبر في أميركا والتي كانت علامة فارقة ومثلت تحولا في العلاقة العربية بإسرائيل بولوج المنطقة العربية وتهيئتها لقبول التسوية التي انتهت بمحادثات إسرائيلية فلسطينية تبعتها بلدان عربية تقاربت مع إسرائيل بل وكبلت بعض دول المواجهة بمعاهدات على غرار اتفاقية (كامب ديفيد) نهاية السبعينات. وبعد الحرب الثانية على العراق زاد ضعف النظام الإقليمي العربي أمام المشاريع الغربية وتم العمل على إعادة صياغة المنطقة وفق ما عرف بالشرق الأوسط الجديد، من خلال سيناريو الفوضى الخلاقة التي هلت مع رياح ثورات ما سمي بالربيع العربي. هذا الربيع الذي كان من المنتظر أن يأتي، بعد رحيل الأنظمة المستبدة، بالديمقراطية والدولة المدنية.

لكن ما حدث هو أن ثورات الربيع العربي حملت معها فكرة التقسيم والتسويق لمشاريع الحكم الفدرالي في المنطقة العربية على أساس دعامتين هما الديمقراطية وتمكين الأقليات الأثينية والطائفية.

وبدأ تنفيذ هذه الفكرة بمشاريع فدرالية في العراق حيث أكد دستور "بريمر" على أن لكل محافظتين أو أكثر الحق في تشكيل كيان فدرالي مستقل. ولم ينجح سوى إقليم كردستان في ذلك نظرا إلى الفوارق القومية والثقافية والخصوصية لأكراد العراق، في حين انتشر العنف والفساد في بقية العراق الذي لازال، رغم إمكانياته النفطية الهائلة، يراوح مكانه بل ويتراجع بصورة مخيفة ومقلقه.

الثورات العربية ارتدّت عن أهدافها التي أشعلت فتيلها في تونس ثم انتشرت شرارتها في مصر وليبيا واليمن وسوريا، وتزامن ذلك مع نشاط إعلامي مكثّف في مراكز البحوث الغربية اهتمّ بتلميع فكرة الفدرالية ودعم المعارضة الراديكالية في تلك البلدان الثائرة، حينها تنامت فكرة التجزئة داخل حدود الدول المجزأة أصلا.

وقد وجدت فرصة مناسبة في الخلافات، التي طفت على السطح بعد سقوط الأنظمة، على أساس أثني ومذهبي، وهو ما يجرى في شرق ليبيا وما يسمى بالحراك الجنوبي اليمني ومخطّطات الحوثيين شمال اليمن، وفي المحصلة فإن معطيات تلك التحولات لم تعكس الاستقرار المؤمل، كما أن الحالة في سوريا ضبابية بعد ما يقارب الثلاث سنوات وقد تتجزأ هي الأخرى.

عند اندلاع ثورات الربيع العربي بدأت تظهر مفاهيم جديدة في تطبيقات التقسيم، يمكن تسميتها (بالتجزئة داخل الحدود) وذلك ينبع من القناعة بعدم جدوى مشاريع التقسيم في ظل المعادلة الإقليمية المعقدة أصلا. ويمكن العودة إلى مخطّط تقسيم السودان وانفصال جنوبه عن شماله. فجنوب السودان مختلف أثينيا ودينيا عن شماله، ورغم ذلك لم يكن الانفصال حلا ناجعا كما كان مؤملا، والسيناريو يتكرر، ولو بصيغ أخرى، في أكثر من بؤرة توتر في دول الربيع العربي، فالأقليات الأثينية والعرقية والمذهبية تطالب بالاستقلال سواء في شرق ليبيا أو شمال اليمن وجنوبه.

في الحالة اليمنية، مثلا، تكمن المفارقة في أن مطالب الفدرالية تأتي بحجّة فشل الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب، مع أن الإشكال ليس في الوحدة بل في صانعيها، الذين دخلوها بصورة ارتجالية وبروح إقصائية أدت إلى اختلاف الفرقاء.

لذلك فالإشكال في اليمن ليس في شكل النظام ولا في الفدرالية وإنما في غياب الدولة المدنية التي ظلت مجرد قيمة افتراضية. ولهذا فإن انسحاب ممثلي الحراك الجنوبي مؤخرا من الحوار الذي انطلق منذ مارس-آذار الماضي وكان يفترض الانتهاء منه قبل نحو شهرين، هو مجرد ذريعة ستزيد من أزمة الحوار الوطني، وتعطي مزيدا من "الشرعية" للمطالب الفدرالية.

6