الفراتي ومأساة محور الموصل الفرات الأعلى والمدنية المهمشة

السبت 2015/07/11
شاعر من مرتبة الرصافي وحافظ إبراهيم كان تمثاله أول ما دمره داعش

المحور الممتد من الموصل إلى دير الزور والرقة شمالاً، عبر مجرى الفرات، الذي أهملته المركزية البغدادية والدمشقية، مستخفة بقيمته الحضارية، وبخزانه البشري وحمولته الشعبية الثقافية، يخضع اليوم لسيطرة داعش، وتقصفه من السماء قوات التحالف الدولي، وتحاصره على الأرض كتاب الأسد غرباً وميليشيا الحشد الشعبي شرقاً، ذلك المحور الإنساني لم يكن مجرد حالة متحفية، تنتمي إلى التاريخ القديم، بل إن شخوصه استمرت في ضخ تأثيرها حتى هذه اللحظة، بدءاً من محمد الفراتي وشفيق الكمالي وآخرين ظهروا ويظهرون في مداه، مساهمين في رفد المركزين الكبيرين، رغم تواصل الإهمال سواء من الأنظمة التي حكمتهما أو من المعارضات التي خرجت عليهما.

على ذلك النهر، الفرات، تقع مدينة دير الزور، مقابلة لأختها الموصل، مجاورة لأختها البوكمال، على مرمى حجر من أختها الرقة التي أصبحت تعرف بعاصمة داعش، ومن دير الزور خرج الشاعر الفراتي الذي تعددت تسمياته، فاعتبره البعض واضع التقويم الشعري الفراتي، ورأى فيه آخرون واحداً من ستة شعراء هم مؤسسو حركة الشعر السوري بداية القرن العشرين وهم محمد البزم، خير الدين الزركلي، خليل مردم بيك، علي الناصر، شفيق جبري، وهو أيضاً مترجم وفيلسوف وفلكي ورسام ورجل نضال وطني، لكنه وعلى ما يبدو وقبل كل شيء كان ثائراً، متمرداً وإن بدا تقليدياً في شعره.

مرت قبل عامين حادثة تدمير تمثاله مروراً سريعاً، وربما لم تستوقف الكثيرين، فحجم الدمار والموت اليومي الذي صار زاد السوريين، جعل تحطيم تمثال حجري آخر في مدينة أعلنت منكوبة منذ عامين وأكثر، مجرد خبر عابر، فهل أنصفت دير الزور المدينة الذبيحة شاعرها قبل ذلك؟

مدن على الفرات

إن كان النقاد قالوا مرة إن الأدب الروسي مر عبر معطف غوغول، فإن أجيالاً من شعراء منطقة الفرات عموماً ودير الزور بشكل خاص كان لزاماً عليها أن تعرّج على محمد الفراتي، لا لتنهل من شعره وتسير على خطاه وتخرج من تحت عباءته أو معطفه، ولكن لتكون على علم أن الفراتي هو أول من نظم الشعر من أبناء دير الزور.

عام 1880 وربما قبل هذا أو بعده بعامين وفي مدينة كانت صغيرة وقتها، تشكلت على ضفة الفرات حيث الكلأ والماء، ولد محمد بن عطا الله بن محمود العبود، في أسرة فقيرة، التحق مبكرا بالمدرسة الرشدية، فتعلم القراءة والكتابة، وانتقل بعدها ليدرس على يدي الشيخ حسين الأزهري الذي علمه علوم اللغة والنحو والفقه لمدة سنتين، لكنّ خلافاً وقع بين التلميذ والطالب، قال الفراتي عن ذلك الخلاف: إنهم كانوا يدرسون “الشمسية في المنطق” ليقدموا فيها امتحاناً في حلب، لأن هذا كان يؤجل الدارس من الخدمة العسكرية العثمانية، وكان الأزهري يقتصر في تدريسه على الحواشي والشروح. دون الدخول في صلب موضوعات الكتاب.

بينما ألح الفراتي على شيخه لولوج مسائل الكتاب، ولا يجد أذناً صاغية بل أجابه الشيخ مرةً بقوله “من تمنطق تزندق” فرد الفراتي عليه قائلاً “إما أنك تعلم المنطق أو تجهله، فإن كنت تجهله فأنت معذور، وإن كنت تعلمه فالمثل ربما ينطبق عليك قبل أن ينطبق عليّ”.

(كتاب كلستان) الذي يصنف من الكتب المعدودة ذات الاعتبار ترجمه الفراتي عن الفارسية، كما ترجم كتاب (روضة الورد) وكتاب (البستان) الذي يقع في أربعة آلاف ومئتي بيت من الشعر لسعدي الشيرازي، وترجم مختارات للحافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي وعمر الخيام

ترك الفراتي حلقة الأزهري ودير الزور وانتقل إلى حلب وهناك تتلمذ على يد مجموعة من العلماء كان منهم الشيخ الزعيم وهو رضا بن محمد يوسف الزعيم، كما درس اللغة والأدب وعلوم الدين على يد كامل الغزي، صاحب كتاب “نهر الذهب في تاريخ حلب”، وبشير الغزي الذي كان مدرساً في مساجد المدينة ودرس الفقه على يد العلامة “محمد الزرقا” فقيه الحنفية في حلب.

في دار الأوبرا المصرية

بعد ثلاث سنوات أمضاها في حلب غادر إلى القاهرة حيث وجد في الأزهر ضالته، وتتلمذ على أيدي أئمة الأدب والفقه أمثال المرصفي والقاياتي وبخيت، وكان من زملائه في الأزهر طه حسين وعبدالقادر المازني وزكي مبارك وأحمد الكرمي.

وفي الأزهر بدأ يكتب الشعر، وفيه أيضاً بدأ يعرف بمحمد الفراتي نسبة إلى نهر الفرات الذي قال عنه:

جرعة منه في قرارة كأس

تجعل المرء في الحياة سعيدا

شارك في أمسية شعرية في دار الأوبرا المصرية، ودعا لإغاثة الطلاب الشوام الذين تسببت الحرب العالمية الأولى في انقطاع صلاتهم مع أهلهم وأوطانهم، وقد شارك في هذه الأمسية عدد من الشعراء المصريين البارزين في تلك الفترة كان من بينهم الشاعر حافظ إبراهيم.

ومما قاله الفراتي وقتها:

أولئك صحبي فتية الشام أصبحوا يقاسون أنواع الأذى وهم هم‏

فيا لبلاد النيل قوموا بنصرهم فهذا أوان النصر فالقوم أعدموا‏

في العام 1914 أجيز للفراتي، الإفتاء والتدريس، ولكنه بقي في مصر، ولم يغادرها إلا حين انطلقت شرارة الثورة العربية، حيث سافر إلى الحجاز لينخرط في صفوف الثوار. فمنح رتبة ملازم طابور وقد أبلى الفراتي بلاء حسناً في المعارك التي مرت بها ثورة الشريف حسين. ومنها تعرف على الشريف وابنه الفيصل ونمت بينه وبينهما أواصر الصداقة.

ولما شعر أن الثورة حادت عن مبادئها المعلنة غادرها إلى مصر ليشترك في ثورة سعد زغلول عام 1919، في ذلك الوقت احتلّ الجيش البريطاني مدينة دير الزور عن طريق الحدود العراقيّة، فاندلعت فيها ثورة شعبية.

عاد الفراتي إلى مسقط رأسه ليحارب الجهل والأمية، ببناء المدارس والانخراط في سلك التعليم، ومحاربة الاستعمار الإنكليزي بالنضال المباشر عن طريق تشكيل خلايا المقاومة، ، وبرز اسمه كزعيم ثوري، فكان عليه أن يدفع ضريبة هذه الصفة التي حملها، فكان نصيبه الملاحقة والتضييق، حتى خرج الإنكليز من دير الزور عام 1920 وحلّ محلهم الفرنسيون.

في أوائل عام 1922 افتتحت في دير الزور أول ثانوية رسمية للذكور سميت ثانوية التجهيز، فعين الفراتي مدرساً فيها لمادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية، لكنه بدأ يحرّض على الثورة والتمرد علناً ضد الفرنسيين.

الخروج إلى العراق

قامت السلطة الفرنسية بفصله من التعليم، ما اضطره لمقابلة وزير المعارف بدمشق لشرح وضعه والاعتراض على فصله، ولما شعر أن الوزير لم يستجب لشكواه اتهمه بالخيانة وغادر مبنى الوزارة، وعلم من بعض أصدقائه أن الفرنسيين ينوون اعتقاله فعاد إلى دير الزور مسرعاً حيث تخفّى وغادرها إلى العراق، مخلفاً وراءه أسرته.

في العراق تعرف على ساطع الحصري الذي كان يشغل منصب وزير المعارف، فعينه مدرساً للغة العربية، ثم سافر إلى البحرين وعمل في المدرسة الرسمية الأولى في المنامة لكنه اختلف مع مدير المعارف هناك فغادر البحرين عائداً إلى دير الزور وفيها عين مدرساً في ثانوية الفرات ثانية عام 1930.

تحطيم تمثال الفراتي لا يمر بلا دلالة، وسواء حطمه داعش، أو قوات الأسد، فإن تدميره كان انتقاما من تلك المدينة الفراتية، ديرالزور، التي يصفها الإيرانيون ووكلاؤهم بأنها حاضنة الإرهاب، وتنساها القوى المدنية التي تدعي تمثيل الشعب تاركة إياها نهبا للجهل والتصحر الإنساني والتهجير والحصار

ودلالة على تجواله الدائم، تعمد الفراتي أن يعطي قصائده عناوين الأماكن التي كُتبت فيها. فالقصائد التي كتبها في مصر سمّيت المصريات. والقصائد التي كتبها في الحجاز أيام الثورة العربية الكبرى سمّاها الحجازيات. وما كتبه في البحرين أسماه البحرانيات. إضافة إلى ما كتبه في دمشق ودير الزور أسماه السوريات.

ولأنه أمضى حياته متمرداً، فقيراً، فقد كان واقع الحال في مدينته لا يعجبه وكان يحرّض الناس على الثورة لا على الحكم فقط بل على كل شيء، وقد رأى فيه بعض الناس يسارياً وعلمانياً يسعى لتمزيق بنية المجتمع، يقول داعياً إلى الثورة على كل شيء:‏

فبتحطيم النواميس على الدهر استعينوا‏

وادفعوا الشر بالشر وبحكم لا تستكينوا‏

وبعيداً عما يمكن اعتباره بالقصائد الواقعية أو الثورية التي كتبها، فإن قصائد الفراتي تأخذ غالباً طابعاً تأملياً، وقد يكون للمكان أثر كبير في ذلك، فطبيعة مدينة دير الزور المنقطعة بين الماء والصحراء، والتي تبدو من خلالها وحيدة وبعيدة حتى عن طرق مرور القوافل، والتي تنتظر ما تجود به السماء، بالإضافة إلى معاناته الشخصية بطبيعة الحال، واغترابه الطويل كل هذا دفعه ليبحث عن ماهية القدر، وعن حقيقة الإنسان وقضية الوجود والعدم، والموت والحساب، وتأمل الكون فهو ينطلق من أسئلة ملحة لطالما أثارها الإنسان حينما يرتبط مصيره بالقدر فيذهب في البحث على أن الإنسان مسير أو مخير؟.. يقول:

أروني أمرأً فوق البسيطة سيداً فلست أرى فوق البسيطة سيدا

أروني أمرأً حراً على الأرض واحداً فلست أرى إلا أسيراً مقيدا

بهذا قضى حكم الطبيعة أنني أعيش بطبعي على الدنيا مصفدا

ورغم أنه كتب في كل الموضوعات تقريباً إلا أنه لم يكن يحب شعر المديح أبداً، وقد يكون من الشعراء القلائل الذين لم يقفوا في حضرة الزعماء والملوك ليمدحوهم، وإن كان مدح الرئيس الراحل شكري القوتلي فإنه لم يغفل أن يذكر أنه لا يمدحه تكسباً أو رغبة في شيء ما:

مدحتك لا أرجوك جاهاً ومنصباً

ولي فوق هام النجم جاه ومنصب

الفراتي الترجمان

كان الفراتي يجيد ثلاث لغات غير العربية هي التركية والفرنسية والفارسية، وقد استحوذت الفارسية عليه، فأنفق سنوات من حياته مترجماً، عام 1959 عينته وزارة الثقافة مترجماً من الفارسية إلى العربية، وقد ترجم عن الفارسية “كتاب كلستان” وهو من الكتب المعدودة وذات الاعتبار كما يصفه هو نفسه. كما ترجم كتاب “روضة الورد” وكتاب “البستان” الذي يقع في أربعة آلاف ومائتي بيت من الشعر لسعدي الشيرازي.. وترجم روائع الشعر الفارسي وهي مختارات لسعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي وقد طبعت وزارة الثقافة في أوائل الستينات هذه الكتب. كما ترجم الفراتي رباعيات الخيام وقواعد اللغة الفارسية وتعليمها بالعربية ووضع قاموسا فارسيا عربيا وترجم “حي تبريز″ وديوان “غزايات” وبهارستان” “ونصيحة العطار” كما ترجم ما يزيد على ثمانية آلاف بيت من الشعر عن الفارسية عدا النثر الفني.

بعد ثلاث سنوات أمضاها في حلب يغادر الفراتي إلى القاهرة حيث وجد في الأزهر ضالته، وتتلمذ على أيدي أئمة الأدب والفقه أمثال المرصفي والقاياتي وبخيت، وكان من زملائه في الأزهر طه حسين وعبدالقادر المازني وزكي مبارك وأحمد الكرمي

لم يقتصر اهتمامه بالشعر والترجمة والرسم، بل تجاوزه إلى علم الفلك، فقد كان شغوفاً بعلم الفلك والمراصد الفلكية بما فيها من مناظير وتلسكوبات، وقد عمد الشاعر إلى تفسير الآيات الكونية في القرآن الكريم، وهو تفسير فريد للآيات التي تبحث في الكون تفسيراً علمياً، يعتمد فيه على علم الفلك ومقابلتها بأحدث نظريات علم الفلك الحديثة، وهو كتاب لا يزال مخطوطاَ. وله عدد من الدراسات الفلكية التي كتبها بعد سهر ليال وراء تلسكوبه الخاص الذي صمّمه بنفسه.

استمر محمد الفراتي يعمل مترجماً حتى عام 1973 حيث أنهت وزارة الثقافة عمله، بسبب تقدمه في السن، فعاد إلى دير الزور، ولم يبق أمامه الكثير ليعيشه أو ليقوله، فعاش سنواته الأخيرة منعزلاً، حتى نسيه الناس.

في 17 يونيو عام 1978، توفي الفراتي، أخرجه أبناؤه محمولاً على أكتافهم، لم يجد سوى سبعة عشر شخصاً ليسيروا في جنازته، لم تودعه دير الزور، لم تبك عليه كما تبكي المدن شعراءها، و هو الذي لم يسر كما أراد الآخرون:

جريت على طبعي بتيار فكرتي

ولم أنجرف يوماً كغيري بتيار

ولم أستعر للشدو مزمار شاعر

فحسبي فخراً أن شدوت بمزماري

قد تكون دير الزور، المدينة التي باتت الآن منسية، تذكرته بعد ذلك، فتكنت باسمه، وصارت تدعى “مدينة الفراتي” وهو الذي حمل فراتها حيثما ارتحل.

لم يكن تحطيم تمثال الفراتي أمراً بلا دلالة، وسواء حطمه داعش، أو قوات الأسد، فإن تحطيمه هو انتقام من تلك المدينة الفراتية، دير الزور، التي يصفها الإيرانيون ووكلاؤهم بأنها حاضنة الإرهاب، وتنساها القوى المدنية التي تدّعي تمثيل الشعب تاركة إياها نهباً للجهل والتصحر الإنساني والتهجير والحصار.

14