الفراغ الذي يسبق العاصفة

الثلاثاء 2015/05/26

بالأمس مر عام كامل على الشغور في منصب رئاسة الجمهورية في لبنان. هذا الشغور الذي عبّر عن عجز ائتلاف مافيات السلطة عن إعادة إنتاج نظام سيطرته تحت وطأة الأحداث التي شغلت مراكز الهيمنة الإقليمية التي تتبعها، والتي فضّلت التريّث في ذلك ريثما ينجلي غبار الصراعات التي ترتبت على الثورات والانتفاضات، وبالأخص على الثورة السورية التي أرعبت الجميع، فبادر، كلٌّ من بوابة مصالحه وعلى طريقته، لإجهاضها وسحقها.

وإذا كان حزب الله، منفردا، من بين باقي القوى المافيوية التابعة التي تشكل ائتلاف السلطة في لبنان، قادرا على شن الحروب الخارجية ولمصلحة مافيا النظام الإيراني، فإنه هو صاحب المصلحة الاستراتيجية في فرض الشغور والتعطيل في مناصب الدولة ومؤسساتها. لأنه بذلك يزداد تحررا في سياساته وقدرة على زجّ مزيد من الشباب اللبناني في الحرب على الشعب السوري وفي المنطقة كلها دون حسيب أو رقيب.

وقد ترافق شغور منصب رئاسة الجمهورية مع مزيد من الشلل في مؤسسات ومرافق الدولة التي تفاقمت مشاكلها ونخر الفساد مفاصلها ما أتاح لباقي مافيات السلطة مزيدا من الحرية في ممارسة النهب على أوسع نطاق والتغاضي عن أحوال الناس وحاجاتهم والرمي عرض الحائط بجميع مطالبهم وبالأخص في ما يتعلق بمتطلبات أمنهم وعيشهم اليومي والخدمات الضرورية من مراقبة للأسعار إلى الطبابة والاستشفاء والتربية والتعليم والكهرباء والطرقات.. لقد استمرأت تلك القوى المافيوية الفراغ والتعطيل، إضافة إلى التمديد، وسارت فيها محققة غنائم فاحشة وكذلك رغبة حزب الله في إدامة هذا الشغور وهذا التعطيل أطول مدة ممكنة.

وبدل أن تتحرك قضية الشغور والتعطيل باتجاه الحلحلة، يبدو أن الأمور تسير بالاتجاه المعاكس. فهل يكون ميشال سليمان آخر رؤساء نظام الطائف؟ وما الذي ينتظر لبنان واللبنانيين حين يكتشف حزب الله أن كل جهوده لن تعيد نظام بشار الأسد إلى الحياة؟

يبدو أن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله قد وصل مؤخرا، ومتأخرا، إلى هذا الاستنتاج، فها هو، في معرض كلمته التي وجهها إلى جرحى حزبه، يلوّح بالتعبئة العامة ويستعيد معركة صفين (!) إذ قال “ويجب أن نكمل إلى صفين ومن يثبت في صفين يكون قد وصل”، متجاهلا أن صفين انتهت إلى التحكيم. وها هو يهدد كل من يخالفه ولا ينخرط في حروبه ويتهمه بالعمالة والخيانة.

ويصنف الشيعة بين “مقاومين” يكرسون أنفسهم وقودا لمشروعه، وبين “شيعة السفارة” الذين لم يعد ممكنا له التهاون معهم، متعاميا عن حلفائه من “شيعة السفارة” في المنطقة الخضراء في العراق. ويبشرهم جميعـا بحـرب ضروس قد تستنزف نصفهم أو ثلاثة أرباعهم من أجل أن ينتصر مشروعه، الذي هو مشروع سيطرة مافيا الملالي- البازار الإيرانية، في المنطقة. لقد وصل إلى نهاية السقوط الطائفي بعد كل ما ادعاه من حرص على لبنان واللبنانيين، كل ذلك من أجل تحشيد مزيد من الوقود لحربه الخاسرة من شباب لبنان الذي يحرق هباء.

لئن ذكّرنا هذا الكلام بأمر فإنما يذكرنا بمرحلة تأسيس هذا الحزب في ثمانينات القرن الماضي، والتي لم تكن إلا مرحلة تصفيات جسدية صبغتها الكثير من دماء اليساريين والشيوعيين المقاومين في الجنوب وبيروت الذين اغتالهم لتخلو له الساحة “الشيعية” ويصادر كل ما له علاقة بمقاومة الاحتلال الصهيوني.

ولئن كان المكتب الإعلامي لحزب الله قد اعتبر ما تناقلته الصحف والمواقع الإلكترونية من كلام حسن نصرالله قد جاء مجتزءا، إلا أنه لم يوضح كيفية الاجتزاء ولا مغزاه خصوصا أن الصحف التي نقلت هذا الكلام المنسوب إلى حسن نصرالله هي الصحف الأقرب إلى حزبه.

إن هذه المواقف وما سبقها من تحريض بحق مدينة عرسال والنازحين السوريين إليها تؤشر على أن حزب الله يبيّت مشروعا تدميريا يطال لبنان واللبنانيين، سواء فاز في حربه في سوريا، وهذا لن يحصل، أو انهزم. وما المواقف المعلنة بالأمس إلا مؤشر على حراجة الموقف وانعدام الآمال، ومحاولة يائسة للملمة ما أمكن وتحشيد ما أمكن من قواعد أصابها الكثير من الضرر نتيجة سياسة حزب الله وحربه على الشعب السوري التي لم تجلب سوى الخراب والموت للسوريين والبنانيين.

لقد كان شعار العصابة الأسدية منذ فجر الثورة “الأسد أو نحرق البلد”، فهل أن اللغة الطائفية الفجة التي اعتمدها نصرالله في كلمته المنوه عنها، سوف تستدعي الحريق إلى لبنان؟ وهل ينجح نصرالله في جر الشيعة في لبنان إلى حرب طائفية مدمرة في محاولة للهروب إلى الأمام بعد فشله في منع نظام الأسد من السقوط؟

وهل تنطلق حربه من تفجير الوضع في عرسال أم تبدأ بتصفيات تطال معارضيه من الشيعة ومن غير الشيعة؟

إن عجز حسن نصرالله عن تحقيق “النصر” الذي وعد قواعده به رفع من حالة توتره، وقد يدفعه باتجاهات انتحارية قد لا يجاريه فيها مشغلوه الإيرانيون. وهنا يمكن وضع التوضيحات الصادرة عن المكتب الإعلامي في هذا السياق، فالإيرانيون قد لا يكونون في وارد فتح جبهة جديدة في هذه المرحلة من التفاوض مع “الشيطان الأكبر” حول ما يظهر من ملف نووي وما يضمر من أمور تتضح في ما بعد.

وفي الحالين، فإن إعادة إنتاج نظام سيطرة ائتلاف المافيات في لبنان بالشكل الذي كان عليه قبل الثورة السورية لم يعد متاحا، وسيكون شغور منصب رئاسة الجمهورية وشل مؤسسات السلطة مقدمة لواقع جديد نأمل أن لا يكون حربا أهلية جديدة. هذه الحرب التي لن يمنعها سوى افتضـاح أمـر مشـروع “ولايـة الفقيـه” للشيعة أنفسهـم، وحين يمتنعون أن يكونوا وقودا في حروب سيطرة مافيا طهران على المنطقة.

كاتب لبناني

8