الفراغ الروحي يزيد معدلات التفكير في الانتحار لدى الشباب

تزايدت في الآونة الأخيرة حوادث الانتحار بين قطاعات مختلفة وفئات متعددة من المجتمع، وخاصة فئة الشباب، وهو ما جعله ظاهرة مجتمعية تدق ناقوس الخطر لوجود خلل ما، يدفع نحو الهاوية ورفض الحياة، ليتطور الأمر إلى مشاهد انتحار متكررة تتعدّد أسبابها وتتفق نهاياتها.
الجمعة 2016/05/20
اتباع القيم الصحيحة يحمي الشباب من الانتحار

يُعرف الانتحار بأنه قتل المرء نفسه أو إنهاء حياته بإرادته ورغبته، لأسباب يعتقد صاحبها بأن موته أصبح أفضل من حياته، وتطور الأمر إلى ظاهرة مع انتشاره في الفترة الأخيرة وخاصة بين الفئات العمرية في مرحلة الشباب.

وقد أجرت مجموعة من علماء النفس بجامعة القاهرة دراسة حول ظاهرة الانتحار، جاءت نتائجها على النحو التالي: 72 بالمئة يرون أن الانتحار أصبح ظاهرة مجتمعية يجب التصدي لها، ويذهب 65 بالمئة إلى تحميل الأوضاع الحالية وضغوط الحياة مسؤولية زيادة معدل الانتحار، والمفاجأة كانت في النسبة المرتفعة لمن يفكرون في الانتحار وإنهاء حياتهم والتي بلغت 30 بالمئة.

شملت الدراسة 500 شخص في كافة محافظات الجمهورية، ومن فئات عمرية مختلفة، حيث شارك بها 229 شخصا بين عمر 10 – 15 عاما، و238 شخصا بين عمر 20 – 40 عاما، و12 شخصا أكبر من 40 عاما، ووزعت العينات على المناطق الجغرافية بين القاهرة ومحافظات الصعيد والوجه البحري كالآتي: 200 شخص من الوجه القبلي مقابل 200 شخص من الوجه البحري، والباقي من القاهرة. أيضا تضمّنت الدراسة شرائح مجتمعية ومستويات مادية مختلفة، حيث شارك فيها 28 شخصا يتمتعون بمستوى مادي مرتفع، مقابل 400 شخص من متوسطي الدخل، و56 شخصا من المستوى الأدنى، ومنهم 170 رجلا و305 نساء.

وطرح الباحثون خلال الدراسة عدة أسئلة على المشاركين، حول أسباب انتشار ظاهرة الانتحار والدوافع التي تقف وراء قيام الشخص بالتفكير في الانتحار وإنهاء حياته بهذا الشكل المفاجئ.

ويعقب الدكتور إبراهيم عزالدين، أستاذ علم النفس بجامعة 6 أكتوبر، على نتائج تلك الدراسة قائلا: انتشار الفقر والبطالة والظلم والاستبداد وتقييد الحريات وكبت الطاقات.. كل هذا دفع الأفراد وخاصة فئات الشباب إلى الإحباط واليأس، في ظل عدم القدرة على تغيير واقعهم وضبابية المستقبل، وهو ما زاد من حوادث الانتحار في الفترة الأخيرة، وجعلها تتحول إلى ظاهرة تحتاج إلى تصدي المجتمع لها.

وتابع “ظهور دعوات تبرر الانتحار وتنادي بمبدأ الانتحار المنطقي جعل الأفراد يعتقدون بمشروعية وقبول الانتحار كعلاج للتخلص من ضغوط وتعقيدات الحياة المختلفة، لافتا إلى أن انتشار تلك الظاهرة يعطي مؤشرا على تراجع الصحة النفسية وانتشار الهموم والضغوط بين شرائح واسعة من المجتمع”.

ويؤكد عزالدين على ضرورة إعادة تناول مفهوم الانتحار، وطرحه من قبل رجال الدين وعلماء النفس، لإعادة ترسيخ رفضه في عقول الشباب، كما يجب وضع تشريعات تمنع الانتحار وتعتبره جريمة يعاقب عليها القانون، مشيرا إلى أن تغيير مفهوم الانتحار – وخصوصا لدى فئات الشباب – يؤثر في السلوك الانتحاري، ويحيّد ردود الأفعال السلبية ويستبدلها بأخرى إيجابية.

هذا وتتعدّد أسباب الانتحار وفقا لعلماء النفس بين نفسية واجتماعية ومادية، من أبرزها: الفقر والبطالة والتغيرات الثقافية المتسارعة، وعدم قدرة الأفراد على التكيف معها وتأثرهم بها، وتضييق مساحة الحريات، وكبت الطاقات، والتعقيدات والصعوبات والمتطلبات الصارمة للمجتمع من الأفراد، كذلك شعور الفرد خاصة في مرحلة الشباب بعدم قدرته على تحقيق الذات والنجاح وتحقيق أهدافه في ضوء غموض وضبابية المستقبل. كما أن الفراغ الروحي الذي يعاني منه الشباب، وتراجع مستوى الوعي الديني والمستوى الإيماني، والجنوح إلى الحياة المادية البحتة على حساب الإنسانيات والقيم والمبادئ، أثرت سلبا في مفهوم ومعنى الانتحار لدى الكثير من الشباب، فضلا عن تعاطي المخدرات والكحوليات والدور الذي تلعبه في إقدام الإنسان على الانتحار.

وفي نفس السياق، يرى الدكتور سمير عبدالفتاح، أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة القاهرة، أن حوادث الانتحار في الفترة الأخيرة هي حوادث فردية، ولم ترق إلى مستوى الظاهرة التي تشكل خطرا على المجتمع، موضحا أن نسبة الانتحار في مصر لم تتعد 1 بالمئة، وهو ما يؤكد أن المجتمع المصري في مجمله رافض لتلك الفكرة، وغير قابل للاستجابة لها، خاصة مع الآراء التي تغيّر مفهوم الانتحار وتزينه، وتعتبره منطقيا أحيانا وحقا للفرد.

وتابع: ما يعانيه المجتمع حاليا هو نوع من عدم التجانس القيمي، فالشباب يتلقون رسائل ومعلومات متناقضة ومختلفة عن الصواب والخطأ والحرية والمسؤولية، سواء من الأسرة أو من الأصدقاء، أو من وسائل الإعلام المختلفة، وهذا لا يساعد الشباب على تطوير منظومة قيم إيجابية توجه سلوكياتهم وتضبطها.

وعن رأي الدين في الانتحار وقتل النفس، يؤكد الدكتور أيمن الملط، الأستاذ بجامعة الأزهر، أن الانتحار يعتبر رفضا وعصيانا لمشيئة الله واعتراضا على قضائه، كما أنه مفسدة كبرى، لذلك فهو من الكبائر، ومحرم تماما في الإسلام، ويضع فاعله في دائرة شبهات الكفر والخروج عن الملة.

وتابع: حرّم الله قتل النفس، “ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما”، داعيا الشباب إلى الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي والثقة في الله، والرضا بقضائه، وعدم اتباع خطوات الشيطان التي تدفع نحو المعصية وقتل النفس.

وأضاف الملط: الشباب هم أكثر شرائح المجتمع عرضة لخطر الانتحار، كونهم أكثر حساسية وقابلية للإصابة بهذه الأعراض الخطيرة، نتيجة عدم وجود منظومة قيمية ودينية تحميهم وتوجه سلوكهم، مشيرا إلى أن العودة إلى الدين، واتباع القيم الصحيحة هما أفضل وسيلة للحماية من الأمراض النفسية والانتحار.

21