الفرح الحزين ينثر هشاشته الصادمة في لوحات رائية

ليل بيروت الحالك ينبئ بأوجاع لبنانية لم يحن وقت خلاصها بعد.
الجمعة 2021/01/22
لارا تابت تكشف وحشة الليل بواسطة الظلام

خفّت وتيرة المعارض التشكيلية في بيروت حتى انعدمت مؤخرا بشكل شبه كلي بسبب الإقفال التام في محاولة التصدي لتفشي وباء كوفيد – 19، الذي زاد من تدفق المصائب على كاهل الشعب اللبناني. لكن الفن كشكل من أشكال الحياة غير المحدودة حصرا بأطر مادية علت نبرة صوته، وفرض الإصغاء إليه في خضم سكون مُميت لم يطل الساحة الفنية فقط، بل كل مرافق البلاد.

بيروت - وسط حالة الإغلاق العام الذي تعيشه العاصمة اللبنانية بيروت في ظل تفشي وباء كورونا، وما انجرّ عنه من غياب شبه تام للمعارض الفنية، عادت لوحات كثيرة إلى البال وهي التي لم تمض على إنجازها سنين عديدة، منها لوحات للفنان أسامة بعلبكي والفنان إيلي رزق الله والفنانة لوما رباح والمصوّرة الفوتوغرافية لارا تابت والفنانة كلود مفرّج.

غالبا ما تخمد الحركة والجلبة يوما، ولاسيما إن كانت الأسباب التي أدّت إلى ذلك درامية وبشكل مُتسارع كما هي الحال في لبنان. وغالبا أيضا ما تطفو على صفحة الوعي البشري في هكذا زمن درامي، إن لم نقل مأساوي، تلك اللوحات التي وإن سبق وأعجبت الكثيرين، تمكّنت من أن تنشر في نفس المُشاهد مشاعر وأفكارا كئيبة، لها مبررات منطقية منطلقة من واقع الحال الذي يعيشه اللبناني.

ليل موجع

ظلمة غرائبية تشي بسوداوية المصير (لوحة للفنان إيلي رزق الله)
ظلمة غرائبية تشي بسوداوية المصير (لوحة للفنان إيلي رزق الله)

بداية نذكر لوحات للفنان أسامة بعلبكي، ولاسيما تلك الأخيرة التي عرضها في صالة “أجيال” التي تبنته فنيا ودعّمت تطوّره على مدى سنوات.

في تلك اللوحات بلور بعلبكي فن واقعي/ مفاهيمي/ حداثي يحرّكه الحدس والرؤية الثاقبة وتصقله المعارف والتأثيرات الأدبية، ونذكر من أجمل اللوحات لوحة ليلية أطلق عليها عنوان “ألعاب نارية”.

لوحة تتطلّب من المُشاهد أن يكون مُلمّا بالحالة البيروتية العامة التي اختلط فيها الحابل بالنابل، ومظاهر الفرح بمظاهر الألم ومشاهد القنابل المضيئة سابقا قبيل القصف الإسرائيلي المُتكرّر بالاحتفالات المشتعلة بفوز فريق رياضي ما وما يتضمن ذلك، وعلى مستوى واحد، من حالات الانبهار التي تتحوّل في ثوان بسبب عشوائيتها إلى أدوات تقتل وتجرح.

وتحيلنا اليوم هذه اللوحة بالذات من بين لوحات بعلبكي الليلية إلى مظاهر الفرح الغرائبي ولنقل “المرضي” الذي عاشه الشارع البيروتي ليلة رأس السنة، ضاربا بعرض الحائط كل التحذيرات من ازدياد تفشي الوباء عند الاختلاط والتجمعات الاحتفالية ومن استخدام الرصاص الحيّ الذي رصّع السماء بألوانه الحارة والحارقة، والتي أدّت إلى جرح وقتل العديد من الأشخاص في بيروت وخارجها.

وفي لوحات ليلية أخرى رسم الفنان شوارع من بيروت عزيزة على قلبه. لوحات انتشر فيها سكون ليلي كئيب لم يخفف من وطأته نور القمر الحاضر في السماء.

هذه المدينة “الزوالية”، إذا صح التعبير، ظهرت أيضا وإن بأسلوب فني مُختلف جدا في لوحات الفنان إيلي رزق الله التي قدّمها مؤخرا في صالة “روشان” الفنية تحت عنوان “من الغسق إلى الفجر”.

وبغض النظر عمّا أحال إليه هذا العنوان من أجواء صوفية يتناثر عند حِفافها كل واقع مادي رث، حقّق به الفنان اللبناني أعمالا فنية غشتها ظلمة غرائبية تراوحت ألوانها ما بين اللون البني الداكن إلى البنفسجي العميق والأصفر المُتعكّر، واللون الأزرق اللصيق بأجواء اللون الأسود الكئيب قلبا وقالبا.

وليس هذا فحسب فقد صوّر الفنان معالم مدينة بيروت بأبنيتها وشوارعها المعتمة الخالية من البشر بشكل يُمكن اعتباره يميل إلى الأجواء الميتافيزيقية. فقد حضر في طريقة بنائه للمشهد المديني، وبشكل لا لُبس فيه منطق الزمكانية وهشاشة الحضور المادي عبر تشظي المدينة الكئيبة بأحوالها إلى عوالم متوازية ومتكرّرة تغوص عمقا في آفاق اللوحات، وعبر انشطارات عمودية وأفقية تذكر بفعل الشفرات.

انشطارات بارزة تحيلنا إلى المرايا وإلى توالد لمشهد واحد ومتكرّر يستعرض رثاثته في كل مرة بشكل متجدّد، لأنه لا يوحي بالثقة ولا بالطمأنينة.

حب بارد

اللوحات تتطلّب من المُشاهد أن يكون مُلمّا بالحالة البيروتية العامة التي اختلطت فيها مظاهر الفرح بمظاهر الألم

يخبرنا الفنان اليوم في حديث مقتضب أنه طوّر أعماله وإن عبر تناوله لمواضيع مختلفة مستخدما أساليب فنية أكثر تنوعا، لكن ذلك لا يمنعنا من أن نرجو له ألّا يبتعد كثيرا عمّا أسّس له في معرضه الفني الأخير والواعد جدا.

أما الفنانة لوما رباح فقد قدّمت معرضا منذ بضع سنوات ظهرت فيها مدينة بيروت قيد التكوين وقيد التلاشي في آن واحد، تعبرها امرأة فاقدة للملامح وتسير من دون هداية. وبدا فيها اللون الأبيض الناصع والبارد والشبحيّ الحاضر بقوة في لوحاتها يفضح العتمة الباطنية وأحوالها.

ولم تخرج الفنانة/ المصوّرة الفوتوغرافية لارا تابت عن هذه الأجواء المُرتجّة بقلق بات، هو نفسه القلق الوجودي غير المعني فقط بتفاصيل الحياة اليومية. يومها قدّمت المصوّرة الفنانة معرضها في صالة “جنين” بهذه الكلمات إنه “الكشف عمّا هو مخفيّ… المدينة مليئة بقوى الشر المتأصّلة”.

أخذ المعرض صفة الكشف عن الظلام بواسطة الظلام، معرض في الليل عن الليل، وقد تخلّى عن صفته الزمنية المُباشرة ليصير مفهوما يطول حتى الجرائم التي تقع ليس فقط خلال الليل، ولكن أيضا في وضح النهار.

وقدّمت الفنانة التشكيلية اللبنانية كلود مفرّج معرضا تحت عنوان “بيروت، العالم” أرّخت من خلاله علاقتها المُلتبسة مع مدينة بيروت تأريخا، ليس إلّا سردا بصريا/ شبحيّا رفعت الفنانة أعمدته الدخانية لتتذكّر ما نسيته، ولكن فقط… لتنسى أكثر. ومن الأعمال نذكر لوحة باسم “رحيل”، بدت فيها الأبنية أشبه بعلب كرتونية تكاد أسطحها تطير بعيدا عن هياكلها.

قالت الفنانة “أحب بيروت بعمق، وفي الآن ذاته في هذه المدينة ما يكفي ليحرّك مشاعر الأسى والحزن في داخلي”.

ويبقى سؤال يفرض ذاته أمام هذا الكمّ الهائل من الأسى: كيف يمكن لهكذا حبّ عميق أن يصبح بهذه البرودة؟

17