الفرح لا يعرف إجازة

الجمعة 2015/02/27

عندما تعرّض أيقونة الريغي الفنان الجامايكي، بوب مارلي، إلى محاولة اغتيال سنة 1978، من أعداء الحياة والمساواة، أصابه طلق ناري في ذراعه، وذلك حين كان يستعد لإحياء حفل موسيقي ضخم ضمن فعاليات مهرجان “ابتسمي يا جامايكا”، أي بعد يومين فقط من الحادثة.

أسطورة جامايكا لم يتمارض أو يتقاعس، بل اعتلى الخشبة وسط مخاوف شتى من أنصاره، أقلّها الرأفة بصحته وهو جريح، وأشدّها الخوف على حياته وهو المهدّد بالاغتيال مرّة واثنتين ومئة، فكيف لا تنجح المحاولة؟ ومن له القدرة على منع أعداء الحياة من تكرارها؟

بوب مارلي أجاب معارضي الإيفاء بالتزامه الفني، ولو بتأجيله مرّة واحدة في حياته إنقاذا لحياته، بأن من يريد إلحاق السوء بالناس لا يعرف العطل، فكيف له أن يمنح نفسه إجازة، ولو قاهرة؟

منذ نحو أسبوعين تقريبا عرفت تونس، وللأسف الشديد، أحداثا إرهابية جديدة، استشهد من جرّائها أربعة عناصر من الحرس الوطني (الدرك)، وفي نهاية الأسبوع الذي شهد الفاجعة تحوّل الآلاف من الأشخاص بين تونسيين وسيّاح أجانب إلى جنوب تونس، لمواكبة فعاليات الدورة الثانية لمهرجان الكثبان الرملية الإلكترونية.

و”الكثبان الرملية الإلكترونية” هو حفل موسيقي ضخم يقام فوق رمال الصحراء، تتخلّله العديد من الأنشطة السياحية والعروض الفنية والألعاب، وهو ما ينعكس إيجابا على الدورة الاقتصادية في المنطقة، علاوة على مردوديتها السياحية والثقافية، وبالأخصّ ما تتضمنه من رسائل طمأنة لأهل البلد والوافدين بأنّ لا مكان لأعداء الحياة في بلد الحياة.

التونسيون، وخاصة منهم الشباب الذين هبّوا بالآلاف إلى منطقة عدّتها وزارتا الدفاع والداخلية التونسيتان منطقة عسكرية مغلقة، تحسّبا للتهديدات الإرهابية التي باتت تطال البلاد على شريطها الحدودي، نشروا على امتداد ثلاثة أيام متواصلة أجواء فرح خيالية، رغم الجو الماطر والإعصار، الذي اجتاح المنطقة على غير العادة في منتصف شهر فبراير الدافئ بطقسه وطقوس أهله الجنوبيين المضيافين.

التونسيون الذين اجتاحوا الكثبان الرملية بأعداد قياسية، أثبتوا للمرّة الألف أنهم صنّاع فرح، لا التهديدات الإرهابية تعنيهم، ولا الأمطار تضنيهم، ولا حائل يحول بينهم وبين إرادة الحياة الساكنة فيهم جيلا إثر جيل.

التظاهرة اكتسبت أكثر من رمزية استثنائية هذا العام، حيث أقيمت في منطقة “عنق الجمل” الصحراوية، وهي بالمناسبة المنطقة التي تمّ فيها تصوير فيلم الخيال العلمي الشهير “حرب النجوم” للمخرج الأميركي جورج لوكاس، وكم يعكس عنوان هذا الفيلم واقعا مريرا باتت تعيشه تونس اليوم، بل والعالم برمّته، فمن “حرب النجوم” الافتراضيّة إلى “حرب الإرهاب” الواقعيّة.

هذه الرمزية انعكست أيضا على الرقم (8 آلاف)، وهو عدد المشاركين في مهرجان كثبان الفرح لهذا العام، لم تصدّهم لا التهديدات الإرهابية ولا الأمطار التسونامية من استعادة مقولة بوب مارلي الشهيرة: “البعض يشعر بالمطر.. والبعض الآخر يشعر بالبلل فقط”، أما التونسيّون فلا يشعرون إلاّ بوحدة الصفّ ضد الموت.


صحفي تونسي

17