الفرح وسط الخراب

الخميس 2014/02/27

أظهر الشارع الليبي، فرحة عارمة أثناء احتفالاته بالعيد الثالث لثورته المجيدة، وهي احتفالات غمرت كل قرية وكل مدينة، وشارك فيها كل الليبيين، النساء قبل الرجال، والأطفال قبل الكبار، والفقراء المهمشون قبل أهل الحظوة وحاصدي المنافع، وتولى الناس الإنفاق عليها من جيوبهم وحر مالهم، ذبحوا الذبائح وأقاموا الأفراح وجلبوا الأجواق وفرق الغناء، دون حاجة إلى أموال الخزينة العامة، كما كان يحدث في العهد الماضي عندما كانت الدولة تخصص الملايين والمليارات لاحتفالات وطنية يأتيها الناس على سبيل الإرغام والترويع.

احتفالات هذه الثورة، هذه السنة وفي الأعوام السابقة، تأتي دائما احتفالات عفوية، نابعة من إرادة الناس الحرة، والفرح أيضا يأتي طبيعيا، ينبع من قناعات الناس وصدق انتمائهم لثورتهم واعتزازهم بها وحبهم لها.

إلا أن المفارقة الكبرى، المؤسفة والمحزنة والمؤلمة، التي لابد أن بعض المراقبين الأجانب قد وقفوا عندها مستغربين مندهشين، هي أن الواقع الذي أنتجته هذه الثورة، لازال واقعا لا فرح فيه، ولا خير جاء عن طريقه، فهو واقع حافل بالنكبات والكوارث، غاطس في الفوضى والجريمة، لا نرى فيه إلا دماء الضحايا تسيل على أرصفة الشوارع، ومثال ذلك عاصمة الثورة بنغازي، التي ابتلاها الله بعدد من مجانين القتل، ممن جعلوا أخبار الاغتيالات تتواتر كل يوم، وتطال أكثر أبناء بنغازي إخلاصا وثورية وولاء للثورة وأهدافها، كدليل على الصورة المؤسفة المؤلمة التي ينقلها الإعلام عن الحصاد المر لهذه الثورة التي قادتها هذه المدينة. دعك من الميليشيات الخارجة على القانون، والتي تتسيد على المشهد السياسي، ودعك من الجماعة المتطرفة التي اقتطعت جزءا من البلاد رشقت فوقه أعلامها السوداء، وأسمته إمارة إسلامية، وجعلته مقصدا لزعماء القاعدة، القادمين من كل الجنسيات، لتصبح ليبيا المرفأ الآمن لهم. ودعك من أن السلاح يتناثر بين أيدي هذه الميليشيات، وقد وصل إلى أكثر من عشرين مليون قطعة، وأن أسواقا تقام له في ليبيا، وعصابات مافيا عالمية نشأت للمتاجرة به داخل الحدود وتهريبه خارجها، ودعك أيضا من جماعات مسلحة تظهر علانية، وجهارا نهارا، تعلن عن ولائها لأسياد لها من حكام أجانب، وتتعامل معهم تحت ضوء الشمس، وتتقاضى الأموال دون حرج، بل يتباهى بعض عناصرها بأموالهم الحرام، التي تجعل أي قانون يدينهم بالخيانة العظمى، ومع ذلك يحظون في ليبيا بالتبجيل والتوقير، ويجدون أعوانا لهم في الحراك السياسي يستجيبون لهم ويأتمرون بأمرهم، بما في ذلك أعضاء في المؤتمر الوطني العام، الذي لم يخطئ من أسماه “المؤتمر الوطني الأفغـاني”، نسبة إلى بعض أعضائه المرتبطين بفكر الجمــــاعــــات الأفغــانيــة وكهوف تورا بورا.

وسط هذا المحفل البائس، الذي تبرز فيه عناصر الرعب والتخلف والجريمة، يظهر الشعب الليبي بكامل فئاته للاحتفال بالعيد الثالث للثورة، لأنه يرى أنها تمثل إنجازا يفتخر به، وقدم من أجله التضحيات، واستجلبه بدماء الشهداء من شبابه، مدركا أن هذا الغثاء الذي يطفح على سطح الحياة السياسية في ليبيا، إنما هو أشبه بغثاء السيل الذي سوف يذهب بإذن الله هباء، فلا يبقى إلا ما ينفع الناس، كما وعد القرآن الكريم.

نعم، مفارقة عجيبة، هذا الفرح وسط الخراب الكبير، ولكنه فرح يمثل روح التحدي لدى الشعب، وروح المثابرة والصمود، من أجل الحصول على غد أبهى ووطن ينعم فيه الإنسان بالأمان والحرية والعدل والحياة الكريمة.

وأريد في ختام هذا المقال أن أشير إلى نقطة إيجابية، لابد من الانتباه إليها، هي أنه وسط هذا المشهد الذي اختطفه الأصوليون، وإسلاميو التطرف، مع التواطؤ- إن لم يكن التوظيف الانتهازي- من قبل الإخوان، ممن يحسبون على خط الاعتدال، أقول وسط هذا المشهد، نجد الحكومة، رغم هذا الأداء الضعيف المتخاذل، ورئيس الحكومة، رغم كل ما يحيط به من عوامل الإحباط والفشل وما قدمه من تنازلات لأهل التطرف وميليشيات الخروج على القانون، فإن ثمة شيئا من المقاومة أبدته الحكومة ورئيسها لهذا التيار الكاسح الجارف لليمين المتأسلم، الذي يريد مثل التنين، التهام كل شيء، وإشعال حرائق التطرف في كل شيء، وهو موقف يجب أن يحسبه الشعب الليبي لصالح الحكومة، ويجب أن يمنحها ما تستحقه من مناصرة ومؤازرة وتأييد في مثل هذا الظرف الخطير.

وقد سعى التيار المتأسلم داخل المؤتمر الوطني بقوة وشراسة، بما في ذلك كتلة الإخوان، إلى الإطاحة بهذه الحكومة، ولكنها لاتزال تقاوم، ويجب أن تستمر في المقاومة.

ولا أرى بديلا عن إشراك الهيئة الأممية في إنقاذ ليبيا من شر هذه الجماعات الإرهابية الإجرامية، التي لا تحمل ولاء لليبيا، بل وتسلم قيادتها لعناصر ترسم لها سياستها من خارج البلاد، وتفرض وجودها على الليبيين بقوة السلاح.

وأتمنى أن نبدأ بقرار ليبي يتوافق عليه كل الليبيين، وهو البدء بإخراج كل عضو في الجماعات الإسلامية المتطرفة جاء من بلد آخر وينتمي إلى جنسية أخرى، قبل البدء بالتفاهم مع العناصر الليبية، لتسليم سلاحها للدولة، والالتزام بدولة القانون الذي لا يجرم الإنسان على أفكاره، فليتفضلوا باعتناق ما يريدون من أفكار، شرط عدم فرضها بالقوة، والامتناع عن هذه الأفكار بأساليب وسلوكيات خارجة على شرعية الدولة ونواميس الحياة الاجتماعية في البلاد.


كاتب ليبي

9