الفردوس العراقي الموعود

الصدر لا يتوقف عن الحديث عن الوطنية العراقية واستقلالية القرار وتحريم التبعية للدول الخارجية، ولكنه في الوقت نفسه، وكلما ضامه ضيم، يطير إلى إيران.
الأحد 2021/09/05
مواقف متضاربة

لقد اعتاد العراقيون على السيد مقتدى الصدر وهو على ما هو عليه من المزاجية المفرطة والمفاجآت الانقلابية التي يتحول فيها من النقيض إلى النقيض إلى الحد الذي لم يعودوا معه يثقون بما يقرره اليوم، لأنهم يتوقعون أن يتراجع عنه صباح الغد.

والمشكلة أنه بمواصفاته الشخصية التبسيطية التسطيحية هذه أصبح أبرزَ اللاعبين المؤثرين على الساحة السياسية العراقية التي أتقن الاحتلال الأميركي إنباتها، ثم تولى الاحتلال الإيراني سقيها وحصادها.

وبأول جريمةٍ قتلٍ قام بها أنصارُه في النجف سنة 2003 تنفيذا لأوامره المباشرة وبإشرافه، وراح ضحيتها عبدالمجيد الخوئي الابن الأصغر للمرجع الشيعي السابق، تحول إلى رقم سياسي وميليشياوي صعب في السلطة التحاصصية في العراق.

ويحار المرء في أمره. فهو لا يتوقف عن الحديث عن الوطنية العراقية واستقلالية القرار وتحريم التبعية للدول الخارجية، ولكنه في الوقت نفسه، وكلما ضامه ضيم، يطير إلى إيران، ويجلس مُقرفصا خاشعا متصدّعا تحت أرجل كرسيّ الولي الفقيه.

أهم حراس السلاح المنفلت وأصحابه والمجاهرين بالولاء للأجنبي لم يوقعوا على الوثيقة، وهم القابضون الحقيقيون الأقوياء على أقفال الدولة ومفاتيحها

وهو لا يكف عن المطالبة بمحاربة الفاسدين، ولكنه يشنّ حملات قمع وقتل على المتظاهرين المطالبين بمحاكمة الفاسدين. وحكايات غزواته المسلحة بالخوذ الزرقاء والعصي والرصاص الحي على المتظاهرين في بغداد والنجف والناصرية شيء لا ينكره لا هو ولا أتباع تيّاره المسلحون.

ومن صرعاته المثيرة أنه في يوم الخامس عشر من يوليو الماضي أعلن قرار انسحابه من الانتخابات القادمة، بخطابٍ ناري بَدا لمُشاهديه وكأنه قرارٌ حازم وحاسم لا رجعة فيه هذه المرة “حفاظا على ما تبقى من الوطن وإنقاذاً للوطن الذي أحرقه الفاسدون وما زالوا يحرقونه” ولأن “ما يحدث في العراق هو مخطط لإذلال الشعب العراقي”، حسب بيان الانسحاب.

إلا أن عراقيين كثيرين تنبأوا بعودته القريبة إليها، بأسرع مما يتوقعه كثيرون. وقد فعل.

فلم يطُل به الوقت حتى فاجأ محبيه ومُبغضيه، معا، بخطاب ناري آخر بشّرهم فيه بتراجعه عن قرار المقاطعة، وبعودته إلى المشاركة في الانتخابات القادمة، وبتصميمٍ وقوة مليونية، على حد قوله.

وبرر العودة بأن عدداً من “القادة العراقيين الذين يثق بهم لأنهم كانوا ممن دعوا للإصلاح قد وقعوا له على وثيقة شكلت له أملاً في إمكانية تخليص العراق من الفساد”، مؤكدا أنها “جاءت متماشية مع رغبات الشعب العراقي في تحقيق الإصلاح، ودافعاً إلى العودة للمشروع الانتخابي”.

ولكن المواطن العراقي الحالم بدولة العدل والمساواة والكفاية بمجرد اطلاعه على مضمونها يفقد إيمانه بها وبإمكانية تنفيذها، ويعتبرها حجة سطحية من حجج مقتدى للعودة عن قرار الانسحاب.

فمن بين بنودها السبعة عشر هناك خمسةٌ لو تحقق تنفيذها لتحوَّل العراق، بعد إعلان نتائج الانتخابات بأيام، إلى سويد ثانية أو سويسرا، ولصحا المواطن العراقي من نومه وقد أصبح أغنى من أمير سعودي وشيخ إماراتي وكويتي، وأكثر مرحا وصحة وعافية وأناقة، ولعاد الدينار العراقي ثلاثة دولارات، ولوصل تمر البصرة ولبن أربيل والسمك المسكوف إلى أقصى مدن الدنيا، نكاية بماكدونالد وكنتاكي وبيزا هوت.

فقد تعهد الموقعون على الوثيقة، وهم مسعود البارزاني ومحمد الحلبوسي وهادي العامري وحيدر العبادي وعمار الحكيم بما يلي:

• تعديل الدستور العراقي خلال مدة أقصاها ستة أشهر من انعقاد أول جلسة لمجلس النواب الجديد. وضمان نزاهة وعدالة الانتخابات بعيداً عن أي تدخلات أو تأثيرات خارجية.

• رفض أي تدخل في شؤونه الداخلية.

• حصـر السلاح بيد الدولة وإعادة هيبة الدولة وإنهاء كافة المظاهر المسلحة.

• تشكيل لجنة عليا ذات صلاحيات موسّعة وبالتنسيق مع السلطة القضائية لتدقيق ملفات الفساد في الحكومات السابقة منذ عام 2003، ومحاسبة المقصرين من خلال إجراءات شفافة وواضحة لدى الرأي العام، ويمنع تدخل الكتل السياسية للدفاع عمّن يثبت عليه الفساد.

والحقيقة أن الموقعين على الوثيقة لا يملكون القدرة، أو لا يرغبون حقيقة في تنفيذها، إما لأنهم من الهامشيين غير الفاعلين، أو لأنهم من الفاعلين الأساسيين المساهمين في صنع المشكلة، أو من العارفين ببواطن الأمور، والموقنين باستحالة تحقيقها، فمن غير المسموح به محليا وإقليميا وربما دوليا أيضا، قلبُ النظام القائم في العراق رأسا على عقب، وفي هذا التوقيت بالذات، لما في ذلك من خلخلة لقواعد اللعبة والتوازنات والتفاهمات المقننة، على الأقل في المدى المنظور.

فلم يمض على هادي العامري أحد أبرز الموقعين على الوثيقة سوى يومين حتى صرح علنا في ملتقى الرافدين قائلا “نحن الذين ثبّتنا الدولة، نحن الدولة”، و”الحشد الشعبي تحت قيادة إمامنا خامئني، يقاتل ويدافع عن مشروع الثورة”.

بمواصفاته الشخصية التبسيطية التسطيحية هذه أصبح أبرزَ اللاعبين المؤثرين على الساحة السياسية العراقية التي أتقن الاحتلال الأميركي إنباتها

ثم إن أهم حراس السلاح المنفلت وأصحابه والمجاهرين بالولاء للأجنبي لم يوقعوا على الوثيقة، وهم القابضون الحقيقيون الأقوياء على أقفال الدولة ومفاتيحها، والفاسدون المفسدون الكبار الذين تلاحقهم منذ سنوات ملفات مخالفات وجرائم واختلاسات من الوزن الثقيل ولم تستطع بل لم تُرد يد القضاء أن تسأله عن أي شيء.

سئل نوري المالكي عن وثيقة مقتدى الصدر فقال “أجهل طبيعة الضمانات التي قدمتها بعض الكتل السياسية للصدر، ولم أطلع عليها ولم أوقع عليها”.

والآن نتساءل، هل ما زال مقتدى مصدّقا، فعلا، بأن الوثيقة متماشية مع رغبات الشعب العراقي في تحقيق الإصلاح؟

سؤال أخير، هل حصل هو ورفاقه الموقعون على الوثيقة على موافقة مسبقة مع الحرس الثوري الإيراني على مغادرته العراق بعد الانتخابات القادمة القريبة، وعلى التخلّي عن أحزابه وفصائله المسلحة وجواسيسه المزروعين في وزارات الخارجية والمالية والدفاع والداخلية والتعليم والتجارة والبلديات والإعاشة، ليعيد العراق إلى أهله سالما ومعافى، دولة مستقلة موحدة قوية ذات هيبة وسيادة وأمن ونزاهة وعدالة ورخاء وسلام؟

4