الفردية، تلك الفريضة الغائبة

الثلاثاء 2014/09/02

لماذا لا نكاد نعثر في العالم العربي على فردية متسائلة تجتهد في نحت ذاتها شيئا فشيئا، ومن تجربة إلى أخرى، تصوغ معنى لحياتها وللعالم المحيط بها؟ لماذا ينتظر الناس الزعيم الملهم والمعلم الإمام والطريق المرسوم سلفا؟

لأنه لا فرد ولا مواطن بالمعني الحقيقي في هذا العنوان، إذ لا تزال "الأنا" غارقة في "النحن" إلى أذنيها. ومن العجيب الدال عما يعتمل في عمق المجمع العربي أن نجد أغلب الناس يعتذرون قائلين " وأعوذ بالله من كلمة أنا"، حينما يفرض عليهم موقف ما الحديث عن أنفسهم أو حتى عند التلفظ سهوا بأنواتهم. تبّجل المجتمعات العربية العشيرة والقبيلة والعائلة ولا تعترف بالفرد ككيان ذاتي حر. وانطلاقا من هذه الذهنية يعتبر كل سعي لإثبات وجود خارج المعيار الثابت خيانة. تعمل المؤسسات الاجتماعية مجتمعة على إغراق الواحد في "الكل"، والعمل على خنق كل من يحاول التعبير والخروج عن النمطية السائدة. فلا يلوح في الأفق أدنى مخرج من وحل تلك البنيات التقليدية التي ترفع من شأن الجماعة على حساب الفرد، وتنشر وهم المعرفة المطلقة بدل نجاعة المعرفة النسبية، وتحاول تأبيد التراتبية على حساب المساواة. وأمام هذا الكابوس يحاول الفقه المهيمن جاهدا تطويق الفرد بالممنوعات ومصادرة إرادته بإذابته في إرادة المجموع.

يفعل المتدينون وكل الذي نصبوا أنفسهم كدعاة كلّ ما في وسعهم لإبعاد الإنسان العربي عن أية فلسفة أو تفكير نقدي يُحتمل أن يغير نظرته إلى الوضع القائم الموبوء والمفخخ بأطروحاتهم. يسعى هؤلاء رفقة حاملي حقائبهم إلى جعل العربي المؤمن يخاف من ظله، فيقنعونه أن في كل مكان يتربص به ذنب، بل كأن العقوبة هي التي تتربص وتتحين فرصة الإيقاع بالمعصية.

ينهج رجال الدين نهج رجال الدعاية والإشهار، فهم يحاولون تهديم الهويات الذاتية لتشكيل القطعان التي يسهل توجيهها، لتصبح الأنا غريبة في عقر ذاتها، توجهها قوى خارجة عنها، تملي عليها ما يجب وما لا يجب. وهكذا لا يصبح الإنسان فردا حرا مسؤولا بل مجرد عنصر يأتمر بأمر الجماعة الضاغطة. وكثيرا ما يكبت الشبان المحبوسين ثقافيا غيضهم والانكفاء على ذواتهم جراء ضغط التراتبية الصارمة التي تطبع الأسرة العربية والتي تحرمهم من التعبير عن غضبهم واستفراغه، ولا ينتظر بعضهم سوى تفريغ ذلك الحنق في أول فرصة سانحة، وهو ما يستغله الإرهابيون في الوقت المناسب، كما حدث في بلدان كثيرة منها الجزائر خلال عشرية كاملة عرفت فيها تفجرا للحقد العنيف لم يخطر ببال أحد.

وتشارك في ترسيخ هذا الداء المدرسة التي لا تتعدى وظيفتها التدريسية في أغلب الأقطار العربية مستوى التلقين، إذ جُعلت أساسا لتلعب دور "التأحيد" والاستنساخ، لتخريج رعايا غير قادرين على التحليل والمناقشة والتفكير الذاتي المستقل. يبدأ التلميذ العربي مجرد متلق سلبي وينتهي منفذا جيدا لأوامر غيره في أغلب الأحيان حتى وإن فطن إلى سذاجتها و خلطها. ليس هذا فحسب بل يكفي الاطلاع على المقررات الرسمية للوقوف على ذلك التقديم المحير وغير المقصود أحيانا للعنف كقيمة ثقافية وأخلاقية للناشئة. ولا يتخرج من هذه المدرسة التي هي امتداد للهيئات الدينية والسياسية الفرد الحر المتسائل وإنما يتخرج منها كائن مبرمج للتصديق بما يملى عليه والتسليم به ثم الرضوخ له.

لا يتقدم مجتمع، لا يفسح المجال لاستقلالية الفرد المادية والفكرية والعاطفية ويمنعه من تنمية قدراته التساؤلية وإثارة الشك، ويحارب أبسط تصرفات الفرد التي لا تتوافق مع تصوراته.

فمن أين يأتي الإبداع إذا بالغ مجتمع في تسبيق القيم الجماعية وحاصر اختيارات الفرد وتمّيزه؟ ألا تحول اليوم مجرد "فتوى" أي فعل إنساني إلى حرام أو حلال! أن تجرده من كل معنى وفعالية؟ ألا يعيش الناس تحت الوصاية كأنهم غير راشدين.

يقتل هذا الجو الموبوء بالفتاوى عقل الإنسان وينزل به إلى مستوى التلميذ أو المريد الأبدي الذي لا يحسن إلا الإنصات والطاعة. فلا يتساءل ولا يشك ولا يبادر إلى تسطير مسار حياته بحرية. يملي عليه كل من هب و دب "كاتالوغ" العادات الحسنة والمستحسنة وآخر لما يجب تجنبه من الأفعال المستهجنة. وهكذا تتعلّب الهوية وتسحق الفرد وكل استقلال ذاتي وتغدو غولا يلتهم الإنسان بدل أن تكون واحة تتفتح فيها الذوات..

كاتب جزائري

7