الفرز الطائفي والعرقي يحكم المقاربة الغربية للأزمة السورية

اتسمت المقاربة الغربية في التعامل مع الأزمة السورية منذ اندلاعها بنقاط ضعف كثيرة وأخطاء لا تحصى، لعل من بينها منطق الفرز الطائفي في التعاطي مع مسألة المدنيين وظهر ذلك في الاستنفار أمام أي تهديد قد تواجهه الأقليات فيما لا من مجيب أمام استغاثات الأغلبية.
الأربعاء 2015/07/15
الأغلبية الصامتة لا تجد من يدافع عنها

دمشق - أثارت حملة “وايدنفلد” لإنقاذ المسيحيين دون سواهم، ضجة كبيرة كتبت عنها العديد من الصحف العالمية وآخرها “التايمز” البريطانية لما تضمنته من معان طائفية، تضع باقي الطوائف في خانة “مدنيين من الدرجة الثانية”.

ويمول اللورد وايدنفلد الحملة التي تهدف لإنقاذ ألفي عائلة مسيحية سورية وعراقية ومساعدتها على الاستقرار في مكان آخر.

وغادر سوريا 700 ألف مسيحي منذ بدء النزاع السوري، وكان يبلغ عددهم 1.1 مليون حتى عام 2011، وفقا لتقرير صادر عن البرلمان الأوروبي.

ويرى وايدنفلد أن هذه الحملة تأتي لرد الجميل للمسيحيين، فقد أنقذته وأطفالا يهود آخرين منظمات مسيحية عام 1938 من براثن النازية.

ورفضت بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية المشاركة في الحملة المثيرة للجدل، بيد أن المتابع للسياسة الأميركية والغربية بصفة عامة يرى بأنها لا تقل عنصرية في تعاطيها مع المدنيين في سوريا والشرق الأوسط ككل.

وتثير سياسة الفرز الطائفي التي تنتهجها دول غربية في مقاربتها للأزمة السورية، غضب الكثيرين، لما تولده من تفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

ويقول خبراء إن تعامل الغرب مع المدنيين في سوريا على أساس طائفي وعرقي لا يمكن النظر إليه على أنه أمر اعتباطي بل يندرج في سياق ضرب مفهوم المواطنة.

تعامل الغرب مع المدنيين في سوريا على أساس طائفي وعرقي لا يمكن النظر إليه على أنه أمر اعتباطي

ورغم أن احتكار الطائفة العلوية للسلطة وعالم المال كان أحد الأسباب التي ثار من أجلها السوريّون في 2011 إلا أن عملية الفرز لم تكن ظاهرة مثلما الحال الآن. ويوجد الآلاف من السوريين (معظمهم من السنة) تحت الحصار، وعلى سبيل الذكر لا الحصر ما يواجهه سكان معظمية الشام الذين يموت العشرات منهم جراء الجوع والمرض وسط تجاهل دولي غير مبرر.

كما تواجه الطائفة السنية في عديد المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية أعمال تنكيل وإعدام مستمرة، وهنا تبقى المجزرة التي أودت بحياة أكثر من 800 من أبناء قبيلة الشعيطات أواخر 2014 خير دليل عن ما يواجهه سنة سوريا على أيدي التنظيم المتشدد، في غياب لأي تحرك دولي.

ويوجد اليوم الملايين من السنة السوريين لاجئين معظمهم في دول الجوار يعانون من أوضاع اجتماعية جد قاسية فضلا عن انتشار عصابات التجارة بالبشر بينهم، كما تلاحقهم شبهات “الإرهاب” على غرار ما يحصل للكثير منهم في لبنان.

ويمثل السنة في سوريا قرابة الـ75 بالمئة من مجمل السكان فيما الـ25 بالمئة الأخرى تتوزع على باقي الطوائف من دروز وعلويين وشركس وأكراد وآشوريين ومسيحيين.

وظهر التعامل الغربي المزدوج إزاء السوريين بشكل جلي في الدعم اللامحدود للأكراد في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.

حيث أن تمدد التنظيم في مناطق سورية لا توجد بها أقليات لم يلق أي رد فعل حقيقي على الأرض، وما إن بدأ خطر داعش يهدد الأكراد من خلال اقتحامه لبلدة عين العرب أو كوباني بالكردية في سبتمبر الماضي حتى أعلن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية عن توسيع نطاق حربه على التنظيم المتشدد ليشمل سوريا بعد أن كان محصورا بالعراق.

وإلى اليوم يستمر التحالف في شن ضربات جوية على مناطق سيطرة التنظيم أين توجد الأقلية الكردية، على غرار الرقة والحسكة.

700 ألف مسيحي غادروا سوريا منذ بدء النزاع، وفق تقرير صادر عن الاتحاد الأوروبي

وفي الجنوب السوري ومع اقتراب المعارضة ومعها النصرة فرع القاعدة في سوريا من محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية سارعت دول غربية ومعها إسرائيل إلى التحرك لمنع اقتحام المحافظة (مع عدم تجاهل تحرك شخصيات درزية في هذا الصدد على غرار اللبناني وليد جنبلاط) وتم الاتفاق على عدم اقتحام المدينة شريطة عدم مساندتها للنظام.

ويقول متابعون إن هذا التمشي الدولي تجاه السوريين لا يخدم وحدة سوريا وهو يزيد من فرص تقسيمها، معتبرين أنه وإن فشل التقسيم الجغرافي لسوريا فإن هذا الشرخ الطائفي والعرقي سيبقى ملازما للجسد السوري على مر العقود القادمة. ويرى البعض أن هذا التعامل الغربي هو في حقيقة الأمر يخدم بطريقة أو بأخرى النظام وأيضا طموحات الأكراد.

ويعول النظام السوري على الأقليات في دعمه على الصعيد الدولي، وسط عجز للمعارضة على كسب ثقتها.

وكانت عديد التقارير الاستخبارية قد كشفت على مدار العامين الماضيين عن عمليات تطهير عرقي يشنها النظام في مناطق سيطرته على غرار القصير وتل كلخ وغيرها وذلك بهدف توطين الشيعة وأقليات أخرى موالية له.

وفي شمال سوريا تدور أنباء عن عمليات تهجير تقوم بها وحدات حماية الشعب الكردي ضد السكان العرب والتركمان.

وتتركز هذه العمليات أساسا في مدينة تل أبيض وريف الرقة الشمالي، والهدف منها جعلها منطقة كردية خالصة بغاية رسم معالم الدولة الكردية التي تبدأ من محافظة الحسكة مرورا بمدينة تل أبيض وصولا إلى عين العرب (كوباني).

إن الفرز العرقي والطائفي الغربي لا ينسحب فقط على الوضع في سوريا بل أيضا نجده في العراق وغيره من مناطق النزاع.

وفي هذا السياق أعلنت الحكومة الفرنسية اعتزامها عقد مؤتمر على المستوى الوزاري في شهر سبتمبر المقبل سيخصص لحماية الأقليات الدينية والعرقية في الشرق الأوسط. وذكرت الحكومة أن التحضيرات وصلت حاليا إلى البدء بعملية إرسال الدعوات التي ستوجه إلى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي.

وهذا المؤتمر هو تتمة للاجتماع الذي دعت إليه فرنسا ورأسته بمجلس الأمن الدولي في 27 مارس الماضي.

4