الفرصة الأخيرة: رسائل السيسي للعرب في خطاب 6 أكتوبر

الجمعة 2013/10/18

أينما وضع العرب في هذه الأيام بوصلتهم فإن القبلة السياسية هي مصر التي يتنازعها طرفان: طرف أكبر يمثل الأمة المصرية التي تنشد الانعتاق من أزمات سياسية واقتصادية حادة، وطرف أصغر يمثل جماعة الإخوان، التي تريد أن تجر هذه الأمة إلى القاع لتوهن عزائمها. وما بين الأمة والجماعة في مصر يقع العرب أجمعين وهم يرون أمامهم فرصة، تبدو أنها الأخيرة، ليخرجوا من حالة الانقسام والتشرذم، ويجتمعوا على تحقيق مصالح دولهم العليا ومصالح شعوبهم التي أنهكتها، لعقود طويلة، عوامل التخلف السياسي والاقتصادي.

وأمام مثل هذه الفرصة، التي تحمل في أحشائها بذرة أمل عربي جديد، كان من السهل على المراقب تفسير احتفاء ومتابعة العرب، من المحيط إلى الخليج، باحتفالات 6 أكتوبر الأخيرة، بعد أن كانت هذه المناسبة تمر دون أن يشعر بها سوى المصريين، الذين سجلوا في تلك الحرب الانتصار الأول والأخير في تاريخنا الحديث. وقد سجلت حربهم تلك، أيضا للمرة الأولى والأخيرة، أوج الإرادة العربية المجتمعة والمتضامنة لمواجهة العدو المشترك. وكلنا نعلم بعد ذلك ما حدث، حين فشلت اتفاقيات ومبادرات السلام التي لم يكتب لأي منها، منذ اتفاقية كامب ديفيد في عام 1978، أن تُنجَزَ على الوجه الأكمل، الذي ينقل المنطقة من حالة الاشتعال الدائم، إلى حالة الاستقرار والتنمية الحقيقية.

وفي يقيني أن الفريق عبدالفتاح السيسي التقط هذه الإشارة- إشارة حضور العرب إعلاميا ووجدانيا في احتفالات أكتوبر- ليبعث بعدد من الرسائل في الخطاب الذي ألقاه بهذه المناسبة ووضع فيه الخطوط العريضة لمصر الجديدة، مصر ما بعد زوال خطر جماعة الإخوان وتراجع المخططات الدولية والإقليمية التي يتولون وظائف تنفيذها.

وقد أحصيت، شخصيا، ست رسائل رئيسية في هذا الخطاب ثلاث منها، أي نصف الخطاب تقريبا، كانت موجهة إلى الأنظمة والشعوب العربية، التي تتابع المشهد المصري عن كثب، والتي لا تخفي قلقها على المستوى العام للأمة العربية، وما يتهدد كل دولة من دولها من تربص أجندات دولية و(قوميات) مجاورة، لم تعد أطماعها في النفوذ والهيمنة خافية على أحد.

أما الرسالة الأولى، من بين هذه الرسائل (العربية) الثلاث في خطاب الفريق السيسي، فهي تضمين كلامه ما يشير إلى ضرورة تحقيق تحالف عربي قوي، وبذل المزيد من جهود التنسيق والتعاون العربي لقطع الأيدي التي تمتد بالإساءة لمصر أو أمتها العربية. وهو بذلك يغمز في النور للوحدة العربية التي سُفهت أحلامها من قبل على أيدي كثيرين، كان من بينهم، كما هو معروف، قادة الإسلام السياسي الذين لا يعتاشون إلا على الفرقة وتناحر الطوائف. ولسنا هنا، بطبيعة الحال، في وارد مناقشة كيفية إحياء عظام هذه الوحدة التي استجابت لتسفيه أحلامها مطامح الأنظمة السياسية القُطرية، وساعدت في الإجهاز عليها، عبر حقب زمنية متوالية، مصالح الآخرين الذين لا يرون في وحدتنا مصلحة لهم.

ما نحن بصدده هو أن رسالة مصرية من هذا النوع تعني أن خيارات البقاء بغير التنسيق والتعاون العربي، ولن أقول الوحدة العربية، أصبحت معدومة. وأن على العرب الآن أن يفهموا بأنه من غير تضامنهم وتوحد مصالحهم ومصائرهم سيؤكلون فرادى. وقد أُكلت، أو تكاد، بعض دولهم الآن، إما بالنفوذ الكامل ليد أجنبية كما هو حاصل من إيران في العراق وسوريا، وإما بالفوضى المدمرة لكل المكتسبات السابقة، التي تعيد الشعوب العربية ودولها أكثر إلى الوراء، كما هو حاصل في أكثر من بلد عربي.

ولذلك كان لهذه الرسالة (العربية) الواضحة في خطاب 6 أكتوبر ملاحق ضغط أو ملاحق تأكيد مهمة في اليوم التالي للخطاب، حين أدلى الفريق السيسي بحديث مطول لصحيفة المصري اليوم قال في جزئه الثالث، وبوضوح أكثر مما جاء في خطاب أكتوبر، إن المنطقة العربية تواجه اليوم ما يفوق تهديد 1967 بأدوات وأساليب أشد خطورة، تتطلب التكاتف والتعاون من الجميع لضمان حشد جميع مقدرات القوى الشاملة للتصدي لهذا التهديد. أيضا كانت الزيارة الأخيرة للرئيس المصري المؤقت عدلي منصور للسعودية والأردن تصب في ذات الاتجاه، إذ أن أقل تحمله مثل هذه الزيارة، في شقها السياسي، هو توجيه رسالة للقوى المناوئة من أن الأمن القومي الخليجي، وبالتالي الأمن القومي العربي، يمثل خطا أحمر لدى القيادة المصرية الجديدة تجاه أي تهديد، من طهران أو من غيرها.

ومن مؤدى هذه الرسالة الرئيسية وملاحقها يمكن أن نفهم الرسالة الثانية في هذا الخطاب، وهي أن جيش مصر هو جيش الأمة العربية، وهو الجيش الوحيد الباقي والقوي بعد أن تآكلت الجيوش العربية القوية نتيجة الأحداث المتوالية في المنطقة منذ العام 1990. ولا أظن أن عربيا شريفا واحدا يقبل ترك مصر وجيشها لمصيرهما، لأن هذا يعني أنه يقبل بسقوط آخر جيش عربي متماسك ليكون «ابتلاعنا» دولة بعد أخرى أسهل مما هو عليه الآن. وفي هذه الرسالة، الموجهة للشعوب أكثر من الأنظمة، ما يفيد بتفويت فرصة الانقضاض الداخلي على مؤسسة الجيش المصري، التي قضت نهائيا على هذه الفرصة وأغضبت من يتحينونها خارجيا، حين أسقطت حكم الإخوان وفضحت مخططاتهم التي كانت ولا تزال تجري مع قوى دولية وإقليمية. وهذا الفضح، بالمناسبة، تتحمل كل المؤسسات العربية، سواء أكانت سياسية أم مجتمعية أم ثقافية، مسؤولية بناء وعي جماهيري بصدده ومعرفة أخطاره ونتائجه فيما لو ترك الأمر لجماعات ما يسمى بالإسلام السياسي.

وأخيرا، فإن الرسالة العربية الثالثة، التي حملها خطاب 6 أكتوبر، هي تلك الرسالة الموجهة لكبار منطقة الخليج و (صغارها)، أولئك الذين يقفون مع مصر والذين يقفون ضدها. وبطبيعة الحال لا يخفى على الخليجيين، كما لا يخفى على كل العرب، أن قطر هي (أصغر) الواقفين ضد التغيير الاضطراري في مصر الذي أسقط حكم الإخوان وأحرج من يقف وراءهم ويدعمهم. وهي بذلك تشذّ عن قاعدة شقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي، بل وتشذ عن قاعدة التجمع العربي المأمول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من (البقاء) العربي، السياسي والعسكري.

وفي المحصلة فإن مثل هذه الرسالة تضع قطر في وضع عربي حرج جدا وربما، أيضا، تقذف بها إلى ارتكاب مزيد من الأخطاء السياسية. وبالتالي فإن على القطريين أن يسرعوا باستخدام (خط الرجعة) العربي، الذي يقال إنها فقدته الآن، لكنني على المستوى الشخصي أصر، من بين ما أصر عليه، على أن نستخدم كل الإمكانيات، بما في ذلك إمكانية التسامح، لتجتمع الإرادة العربية من جديد وننقذ ما يمكن إنقاذه من الوجود العربي المهدد.


كاتب سعودي

8