الفرص بدل الضائعة

الإخفاق يكون أحيانا خارجا عن سيطرتنا، والقرارات التي نتخذها، قد لا تكون صائبة دائما، وتكون للبعض منها تداعيات على الأمد الطويل، لكن لا يجب أن نهدر طاقتنا في الندم على شيء حدث وليس بوسعنا تغييره.
الجمعة 2019/05/10
تقبل الخسارة بصدر رحب لأنها جزء من الحياة

عادة نقول إن الفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة في الحياة، وإذا لم نستغلها فإنها لن تعوض أبدا، ومثل هذه الفكرة المسبقة تجعلنا نشعر بالندم ونعض أصابعنا حسرة عن فرص العمل أو الزواج التي أضعناها والأحلام التي راودتنا وعجزنا عن تحقيقها… والقائمة تطول عن منغصات الحياة التي تبقى راسخة في الذاكرة أكثر بكثير من أوقات المسرّات، لتغذي بداخل الكثير منا الشعور بالندم وتأنيب النفس وجلدها في كل الأوقات.

الكاتب الأميركي الراحل مارك توين، قال “بعد عشرين عاما ستندم على الأشياء التي لم تفعلها أكثر من ندمك على الأشياء التي فعلتها”.

مقولة توين الشهيرة تتطابق تماما مع ما كشفت عنه دراسة سابقة أجرتها إحدى شركات التأمين على الحياة في بريطانيا تدعى “حياة الخمسين” (Fiftylife).

الدراسة طرحت سؤالا تقليديا على عينة تتكون من 2000 شخص “هل من الأجدر أن تندم على ما فعلت أم على ما لم تفعل؟”. والنتيجة أن نسبة 65 في المئة من المشاركين، أكدوا أن الفرص الضائعة وعدم المجازفة والإقدام على شيء هي أكثر ما يشعرهم بالندم.

ويبدو الدرس المهم الذي قدمته تلك الدراسة للأجيال الشابة، من خلال استعانتها بأصحاب التجارب الكبيرة في الحياة، هو أن يأخذوا بأسباب الحياة، وأن يغتنموا الفرصة المتاحة لهم لتحقيق أحلامهم.

لكن أحيانا حتى في ظل التخطيط والعمل الدؤوب على تحقيق الحلم، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فليس كل ما يتمناه المرء أو يخطط له يدركه، فقد تتخذ قراراتنا وأحلامنا منحى مختلفا، مما يصيبنا بالإحباط والندم، وتكمن المشكلة في أن البعض يعجز عن طي الصفحة، بعد أخذ الدرس والعبرة من الماضي، ومحاولة التفكير في القادم من الأمور بشكل إيجابي، بدلا من اليأس وحمل همّ كبير يفقده قوة الإرادة ويعيقه عن تحقيق أهداف أكبر.

هذه المسألة تعنيني بشكل خاص، فقد شعرت بالامتنان لاحقا لأنني اخترت مهنة الصحافة عوضا عن التدريس، فرغم أن كلمات والدي التأنيبية أثناء سنوات البطالة التي مررت بها بعد تخرجي من الجامعة، ولّدت بداخلي إحساسا بالندم في البداية، إلا أن فرص العمل في الميدان الإعلامي التي أتتني لاحقا، جعلتني أرى الوجه الجميل لقراري الذي اتخذته أثناء فترة التوجيه الجامعي، ما شحن “عضلة” الإرادة لدي وجعلني أكثر ثقة بنفسي.

وتعلمت بذلك أن الفرص البديلة تكون أحيانا أكثر راحة ومتعة من الفرص الأصلية التي نخطط لها مسبقا.

هناك الكثير من التجارب المحيطة بنا، يمكن أن نستفيد منها، فلنأخذ مثالا بسيطا عن مباريات كرة القدم، في معظم الأحيان ينتهي الوقت الرسمي لبعض المقابلات بالتعادل أو الخسارة لأحد الفريقين، إلا أن الفريق الخاسر يتمكن في الوقت بدل الضائع من تحقيق الانتصار، وهذا أكبر دليل على أن الإخفاق ليس دائما ما تنتهي به الأمور.

الإخفاق يكون أحيانا خارجا عن سيطرتنا، والقرارات التي نتخذها، قد لا تكون صائبة دائما، وتكون للبعض منها تداعيات على الأمد الطويل، لكن لا يجب أن نهدر طاقتنا في الندم والتأسف على شيء حدث وليس بوسعنا تغييره، فكم من حوادث شعرنا بالندم حيالها، لكنها حملت أثرا إيجابيا كبيرا في تغيير مجرى حياتنا.

بغض النظر عن مدى ضيقنا أو إحباطنا؛ “لا بأس” يجب “ألا نكترث”، أو “لنعتبر الأمر كأنه لم يكن”، فالتعامل مع الأمور بهذه البساطة وبرحابة صدر أمر مهم، في ظل تزايد ضغوط الحياة التي لها تأثير كبير على حالتنا النفسية وصحتنا الجسدية.

خلاصة القول: نحن بحاجة إلى تقبل الخسارة بصدر رحب لأنها جزء من الحياة.

21