الفرضيات الخاطئة أربكت سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط

الجمعة 2014/07/18
السياسات الأميركية الخاطئة في المنطقة زادت من تنامي مشاعر العداء ضدها

واشنطن- السياسة التي اعتمدتها أميركا في علاقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم تثمر غير الخراب للمنطقة، ولم تبلغ أهدافها التي حدّدتها منذ البداية. ويعود سبب ذلك إلى كثرة الأخطاء التي قامت بها الولايات المتحدة من جهة، ولأنّها استندت أساسا إلى افتراضات زائفة وجملة أهداف من المستحيل تحقيقها من جهة أخرى.

في الوقت الذي تتخبّط فيه إدارة أوباما في محاولات مستميتة لإيجاد حلّ للتعامل مع الأزمات المتصاعدة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يكشف مسؤول بارز في الاستخبارات الأميركية أنّ نقاشا آخر يجري في كواليس البيت الأبيض،مفاده أنّ أميركا كانت قد انتهجت، منذ بداية إدارة بوش-تشيني سنة2001 وحتى قبل هجمات 11 سبتمبر 2001، سياسة تجاه الشرق الأوسط تستند إلى دعم الإرهاب من أجل حفظ المصالح، حسب ما كشفت عنه دراسة لكمال حبيب، صادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات بعنوان “انقلاب السحر على الساحر:العنف المسلح من أفغانستان إلى بلاد العرب”، ودعمته ثائق فيدرالية حصلت عليها مجموعة الشرق الاستشارية بمقتضى قانون حرية المعلومات الأميركي (FOIA).

في هذا السياق، فجّرت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، مؤخرا، قنبلة هزّت أرجاء العالم العربي باعترافها أن أميركا هي من خلقت تنظيم القاعدة الذي يقاتلها اليوم، وأن ذلك تمّ لأسباب متّصلة بصراع كوني مع الاتحاد السوفيتي السابق، وأن المخابرات الباكستانية والسعودية لعبت دورا كبيرا في دعم التصور الأميركي لوقف محاولة التمدد الروسي في أفغانستان، واقترابه من المياه الدافئة، واستخدام المجاهدين العرب كمخلب قط في الإستراتيجية الأميركية أو كما تحدث بريجنسكي، مستشار الامن القومي للرئيس الأميركي كارتر، كبيدق في رقعة الشطرنج الكبرى للقضاء على الاتحاد السّوفيتي السابق.

ووفق هيلاري كلينتون، فإنّ القاعدة على الأقل في مرحلة التأسيس كانت جزءًا من تصور أميركي هدفه الانفراد بقيادة العالم وتأكيد نهاية التاريخ كما أشار “فوكوياما” إلى ذلك. ومن جهته، قال بريجنسكي، في مقابلة مع المجلة الفرنسية “النوفيل أوبزرفاتور”، “كنّا نريد أن نصنع للاتحاد السوفيتي حرب فيتنام خاصّة به، وبالفعل كان على موسكو الدخول في حرب استمرت عشر سنوات أفقدت الإمبراطورية السوفياتية هيبتها ومكانتها وأدت إلى تفككها”.

وحين سألته الصحيفة الفرنسية عن التبعات التي ستلحق بأوربا وأميركا والعالم بسبب دعم الأصولية الإسلامية أجاب قائلا: “ما هو أكثر أهمية للتاريخ طالبان أم انهيار الاتحاد السوفيتي، بعض المسلمين الهائجين أم تحرير أوربا ونهاية الحرب الباردة؟”

مقولة "انقلاب السحر على الساحر" تصدق على أميركا التي صنعت تنظيمات الإرهاب لتفكيك الاتحاد السوفيتي فنالت نصيبها من الشر

وفي ذات السياق، أشارت كلينتون إلى استخدام الفكر المتشدد وتوظيفه في هذه المسألة، لأنّ أغلب الشّباب وعلى رأسهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري كانوا متأثرين بالفكر السلفي المتشدّد الذي اكتسح عقول الشباب العربي في مرحلة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وكانت المملكة العربية السعودية تعتبر انتشار هذا الفكر إحدى أدواتها في سياستها الخارجية، كما كان الدعم الأميركي لحاملي هذا الفكر سخيا.

هذا الدعم الذي وجدته الجماعات المتشدّدة من أميركا، كان بالأساس موجها لحفظ مصالح واشنطن في المنطقة،

وفي هذا الإطار، أشار فيلم وثائقي أعده آدم كريتس لقناة “بي بي سي” بعنوان “سلطان الخوف” أو ” قوة الكابوس″ كما في العنوان الأصلي للفيلم بالإنكليزية “force-nightmare”، إلى أنّ المصالح الغربية في العالم الإسلامي تولد بالضرورة علاقات مع هذا العالم، فهو قلب “قوس الأزمات” وهو آخر منطقة كبرى من مناطق العالم الحر المجاورة مباشرة للاتحاد السوفيتي، وتحت أرضه نحو ثلاثة أرباع احتياطات العالم النفطية الثابتة والمقدرة وهو مكان إحدى أكبر الأزمات قابلية للتفاعل في القرن العشرين.

تلك هي مواجهة الغرب للقومية العربية – ومن ثمّ فإن المجاهدين العرب والجهاد الأفغاني والمسلمين الذين هبوا إلى أفغانستان للدفاع عن العالم الإسلامي وحدوده في مواجهة الغزو الشيوعي الإلحادي، جرى توظيفهم دون أن يدروا في سياق خطط كانت أكبر أجهزة المخابرات تشرف عليها سواء في أميركا أو السعودية أو باكستان، وأنّ هذا التوظيف البراغماتي في بعده الرئيسي كان السبب في تعميق ظاهرة العنف في فعل الحركات الإسلامية العنيفة، وأنه هو الذي قاد إلى المواجهة بين الجماعات الجهادية وبين الولايات المتحدة الأميركية.

هيلاري كلنتون: القاعدة كانت جزءًا من تصور أميركي هدفه الانفراد بقيادة العالم


انقلاب السحر على الساحر


وفي سياق آخر، أوضح كمال حبيب في دراسته، أنّه رغم الدعم الذي حصلت عليه الجماعات المتشددة من الولايات المتحدة، إلاّ أنّها اكتشفت، قبل أن تعلن في عام 1998 اكتمال مشروع “القاعدة” الفكري وبنيتها التنظيمية بإعلان “الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين”، أنّ الخطر الأكبر على مشروعها الجهادي هو المخابرات الأميركية، وكانت أفغانستان هي الفضاء الذي تبلور فيه تحول في إدراك تلك الجماعات ناحية أن الخطر المهدد للعالم الإسلامي ولمشروعها الجهادي هو العدو البعيد، أي أميركا وأوربا والعالم الغربي وليس النظم الداخلية التي كان يطلق عليها العدو القريب. ذلك التحول في إدراك تلك الجماعات لم يكن بسبب الخطر الأخلاقي الأميركي على العالم الإسلامي أو الفساد الحضاري ولكن بسبب اكتشاف سياسات المحافظين الجدد والتعرف على أفكارهم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والتي أرساها بشكل أساسي برنارد لويس، ثم تلامذته، والذي كان صموئيل هنتجتون الذي تحدث عن صراع الحضارات، أبرزهم.

إن مقولة “انقلاب السحر على الساحر” تصدق فعلا على أميركا التي صنعت تنظيمات الإرهاب وجماعاته المسلحة ضمن مخطط استراتيجي واسع لتفكيك الاتحاد السوفيتي فنالت نصيبها من الشر الذي صنعته؛ حيث أن أميركا هي التي أنشأت القاعدة في أفغانستان منذ عام 1984، وبعد أن بلغت اكتمالها مع عام 1998، هاجمتها سنة 2001 في عقر دارها، وفجرت مبنى مركز التجارة العالمي، كما هاجمت مبنى وزارة الدفاع الأميركية من أفغانستان، حيث رعت مخابرات الولايات المتحدة الأميركية ومخابرات الدول الأوربية والمخابرات الباكستانية والسعودية تأسّس ما يمكن أن نطلق عليه اسم “مركز تفريخ الجماعات والتكوينات والشبكات الإرهابية في العالم والتي تتخذ من العنف المسلح سبيلا لها.

وفي سوريا اليوم، مازالت أميركا تدفع ثمن أخطائها، حيث أنّه أصبح من الجلي أنّ “الجيل الثالث” لجماعات العنف المسلح قد تشكّل، حيث تتحدث التقديرات عن وجود عشرين جنسية أوربية تشارك في القتال في سوريا، وعن أعداد المقاتلين الأوربيين تشير التقديرات الرسمية أنهم يتراوحون بين ألف وخمسمئة وألفي مقاتل، وتشير المعلومات إلى أنهم ينتقلون إلى سوريا عن طريق تركيا، حيث لا يذهبون مباشرة إلى مكان القتال، كما أنّ القرب الجغرافي لسوريا من أوربا يشجع هؤلاء المقاتلين على العزوف عن الانتقال إلى منطقة وزيرستان على الحدود بين باكستان وأفغانستان، لقد كانت الإستراتيجية الأمريكية، بمعية الأوروبيين، تقوم على مواجهة جماعات العنف المسلح في مناطق وجودها بعيدا عن القارتين الأوربية والأميركية، وكانت تعمل على جعل البحر المتوسط عازلا أو فاصلا بين شواطئه الجنوبية والشمالية، ولكنها اليوم تصبح مركزا لجماعات العنف المسلح تلك، بل إنها أصبحت مصدرًا لتصديرها إلى خارجها كما هي الحال في هجرة المقاتلين إلى سوريا، حيث ينضمون إلى أكثر الجماعات تشددا مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، أو جبهة النصرة.

عائلة عراقية قصدت إلى مخيم خازر هربا من أعمال العنف في مدينة الموصل


الاعتراف بالأخطاء سبيل للإصلاح


بصفة عامّة، تفسّر تلك الأخطاء الأساسية في السياسة الأميركية جلّ الأزمات التي نشبت الآن بقوّة في كل ركن تقريبا من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتفرض الآن سؤال نفسه: هل تستطيع الولايات المتحدة الأميركية تدارك أخطائها بالمنطقة؟ وهل للحكومة الأميركية استعداد جديّ للاعتراف بتلك الأخطاء؟ إذ يُذكر هنا أنّ الرئيس أوباما قد حاول التملّص من مسؤولية حكومته في الشرق الأوسط بإعلانه آسيا “محور اهتمام” جديد، وهي محاولة آلت، في نهاية المطاف، إلى مزيد من التعقيدات، وفق ما كشفت عنه الوثائق الفيدرالية التي حصلت عليها مجموعة الشرق الاستشارية بمقتضى قانون حرية المعلومات الأميركي (FOIA).

وأوضحت الوثائق كذلك، أنّ هذه القضية لا تتعلّق بإصلاح أخطاء تاريخية، بل تدور حول أهداف أهمّ وأخطر. فإذا لم يتم تحديد هذه الأخطاء الفادحة والاعتراف بها علنا، لن يكون من الممكن تطبيق أيّ سياسة إصلاحية. في أحسن الأحوال، ستحاول الولايات المتحدة الأميركية فبركة مجموعة متشتتة من الحلول القصيرة الأجل، دون التوصّل أبدا إلى حل الأزمات الأعمق التي صارت تهدّد الآن كيان العديد من دول المنطقة وتماسكها.وفي هذا الإطار، تمثّل العراق وسوريا إحدى أهمّ هذه الأخطاء السياسية التي ارتكبتها حكومتا بوش في السابق والآن أوباما، والتي يتوجّب الاعتراف بها، وهذا الاعتراف يجب أن يكون وفق تمشٍّ كامل من المصارحة يقتضي الآتي:

أولاً، يجب الإقرار بأنّ الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، الذي أدّى إلى الإطاحة بنظام صدام حسين، كان خطأ جسيما كلّف المواطنين الأمريكيين ما يقدر ب1 تريليون دولار أو أكثر والآلاف من الأرواح الأميركية، ناهيك عن الخسائر الأعظم التي تكبّدها العراقيون. كما أنّ استناد هذا الغزو إلى ادعاءات استخبارية ملفقة أكّدت امتلاك صدام حسين لترسانات ضخمة من أسلحة الدمار الشامل، بالإضافة إلى ادعاء بعض المسؤولين الأميركيّين ارتباطه بالقاعدة وبأحداث 11 سبتمبر، قد أدى إلى كارثة خطيرة.

ثانيا، استناداً إلى فرضية خاطئة أخرى توقعت أن يستقبل الشعب العراقي القوات الأميركية والبريطانية كأبطال “محرّرين”، أمر مسؤولو واشنطن بتفكيك كامل الإدارة البيروقراطية لحكومة حزب البعث العراقي وكامل الجيش العراقي والحرس الجمهوري. وقد أدّت هذه السياسة مباشرة إلى موجة التمرد الحالية، وصعود الدولة الإسلامية في العراق والشام كقوة بارزة في صفوف الطائفة السنية العراقية.

وقد اقترح المسؤولون العسكريون الأميركيون غزوا مؤقتا وقصيرا إلى أن تتمّ إعادة تكوين الجيش العراقي ونشر قوّاته لتأمين البلاد، لكن كبار صناع القرار والسياسات في إدارة بوش أصرّوا على التفكيك الشامل لحكومة حزب البعث العراقي.

يمثل العراق وسوريا إحد أهم هذه الأخطاء السياسية التي ارتكبتها حكومتا بوش في السابق والآن أوباما

العديد من أعضاء تلك الحكومة ومن ضباط الجيش والجنود العراقيين السابقين سرعان ما انضموا إلى الميليشيات المتمرّدة التي كانت قد ساهمت فعليا في بروز الدولة الإسلامية في العراق والشام واحتمال انهيار البلاد تماما.

ثالثا، أخطاء الرئيس أوباما في ما يتعلق بسوريا، حيث أنّه افتتح سباق الارتباك بإعلانه أنّ”على الرئيس بشار الأسد الرحيل”، قبل اطلاعه على أي تقرير تقييمي لرؤساء الأركان المشتركة (رؤساء الجيش والبحرية وسلاح الجو ومشاة البحرية) أو لوكالة المخابرات المركزية، ودون معرفته حتّى بإمكانية تحقيق ذلك. ثمّ حدّد في وقت لاحق “خطّا أحمرا” يمثّل تجاوزه مبرّرا كافيا للتدخّل العسكري الأميركي، في حال الاستخدام الأسد للأسلحة الكيميائية، وقد بادر بإعلانه لهذا “الخط الأحمر” دون استشارة المؤسسات الاستخباراية الأميركية، أو المسؤولين العسكريين، أو الكونجرس الأميركي. ثم سرعان ما تراجع، في سبتمبر 2013، بإنكاره أن يكون هذا الخطّ الأحمر سياسة فعلية. في نهاية المطاف، أدّى هذا المد والجزر إلى انعدام الثقة والاحترام لسياسة الولايات المتحدة الأميركية، ودفع بعض الدول في التشكيك في شرعية التحالفات الأميركية.

وقد فشلت واشنطن كذلك في التنبؤ بظهور الدولة الإسلامية في العراق والشام، خلال المراحل الأولى التي وفّرت فيها أجهزة الاستخبارات التركية الدعم المادي للمتمردين الإسلاميين بدعم ضمني من الولايات المتحدة الأميركية. وأكّد مسؤولون من أجهزة الاستخبارات أن رؤساء وكالة المخابرات المركزية وعملاؤهم، في تركيا واليمن وعدّة مواقع أخرى، قد فشلوا في تحديد الخطر المستقبلي للمنظمة الإرهابية، وفي تقييم جدية المعتقدات العلمانية والتوجه الموالي للغرب للمقاتلين. وهو ما أدى إلى البروز السريع للدولة الإسلامية في العراق والشام بالمنطقة في شهر مارس 2014، ونجاحها في فرض وجودها كقوة مهيمنة في المعارضة السورية، قبل إدراك الولايات المتحدة الأميركية للخطر الشاسع الذي تمثّله.

7